القائمة
12:11 15 مايو 2026
خاص "كواليس"

"ستارلينك" تبدأ اليوم خدماتها للشركات... والقطاع الخاص متخوف من إفشالها كما قطاع الاتصالات بعد 2012

وراء الكواليس

"لا يوجد في العالم من يستطيع منافستها لناحية السرعة والجودة"، بهذه العبارة اختصر فريد فخر الدين، عضو مجلس الادارة في شبكة القطاع الخاص اللبناني (LPSN) في حديث خاص لـ"كواليس"، أهمية دخول خدمة "ستارلينك" إلى لبنان، معتبرًا أن البلاد تقف أمام “خطوة ضرورية جدًا” في ظل الانهيار المزمن الذي يضرب قطاع الإنترنت والاتصالات. 

ويبدأ اليوم تشغيل خدمة "ستارلينك" التجريبية في لبنان لصالح الشركات، والمؤسسات، والمصانع، والجهات الحكومية والمنظمات غير الحكومية.

وآشار فخرالدين إلى أن الخدمة لا توفر فقط إنترنت سريعًا ومستقرًا، بل تشكل أيضًا “حلًا طارئًا” في حال حصول أي انقطاع بالشبكات التقليدية أو الكابلات البحرية، خصوصًا أن معظم الشركات والمؤسسات أصبحت تعتمد بشكل كامل على الاتصال الدائم بالإنترنت لإدارة أعمالها والتواصل مع الخارج، ووصفها بأنها "خدمة اكثر من ضرورية ومن دون سيئات". 

واعتبر أن الخدمة تتمتع بسرعة اتصال واستجابة عالية جدًا لا تملكها أي شركة منافسة حاليًا، موضحا أن الأسعار تُعد "تنافسية ومقبولة"، خصوصًا مع إمكانية وصول الخدمة إلى مختلف الفئات. 

وأضاف أن وجود خدمة مستقرة وسريعة قد يساعد لبنان على التحول إلى مركز للخدمات الرقمية والعمل عن بعد والخدمات المرتبطة بالشركات العالمية، مؤكداً أن وجود "ستارلينك" يبقى “أهم بكثير من عدم وجودها” بالنسبة للبنان في المرحلة الحالية.

الحملة ضد ستارلينك 

 يعود ملف الاتصالات إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، خصوصًا بعدما منح مجلس الوزراء في 11 أيلول 2025 ترخيصًا لمدة سنتين لشركة SpaceX لتقديم الخدمة في لبنان. وكانت الخطوة قد سبقتها إشارات واضحة إلى الاهتمام الأميركي بالقطاع، بعدما أجرى ايلون مسك  اتصالًا برئيس الجمهورية في 26 حزيران 2025، أبدى خلاله اهتمامه بالدخول إلى قطاع الاتصالات والإنترنت في لبنان.

ورغم أن المشروع يُطرح كفرصة لإنقاذ قطاع يعاني من انهيار مزمن، واجهت "ستارلينك" منذ البداية حملة اعتراض سياسية وإعلامية قادها "حزب الله"، تحت عنوان "السيادة" و"المخاوف الأمنية". وبرز هذا الأمر من خلال تصريحات للنائب  إبراهيم الموسوي، عضو كتلة الوفاء للمقاومة ورئيس لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، الذي حذّر من أن المشروع لا يشكل مجرد خطوة تقنية، بل “تهديدًا للضوابط السيادية والتنظيمية” في قطاع الاتصالات، معتبراً أن المضي به قد يؤدي إلى “تفريط بالأمن الوطني ومصلحة السوق المحلي”، وداعيًا إلى تجميد الترخيص وإعادة التفاوض حوله.

وشن الحزب حملة ضد دخول "ستارلينك" الى لبنان. وفي تصريح بتاريخ 11 أيلول 2025 لصحيفة الاخبار المحسوبة على الحزب، ذهب الموسوي الى حد اتهام وزير الاتصالات شارل الحاج بالسعي إلى “تهريبة غير قانونية” عبر التعاقد مع "ستارلينك"، معتبراً أن الخدمة ستضرب التنافسية في السوق وتشكل طبقة إضافية من “تدمير قانون الاتصالات”. كما لوّح بما وصفه بـ”القلق الأمني” الذي أثارته بعض الجهات المختصة عند طرح فكرة التعاقد مع الشركة.

ولم يقتصر الاعتراض على التصريحات السياسية، بل امتد إلى حملة إعلامية واضحة قادتها صحيفة "الاخبار"، ، والتي نشرت مقالًا في 31 أيار 2025 تنتقد فيه المشروع تحت عنوان “مخاوف من بيع القطاع بثمن بخس: وزير الاتصالات يُشرّع الأبواب أمام ستارلينك”، في محاولة لتصوير دخول الشركة الأميركية وكأنه تهديد مباشر للقطاع العام وللسيادة اللبنانية.

وقال فخرالدين أن اعتراضات الحزب على المشروع ترتبط ب "خسارته القدرة على التحكم الكامل بقطاع الاتصالات ذلك ان خدمة ستارلينك لن تكون غير خاضعة لسيطرته”، مضيفًا أن “الجهة التي وضعت العصي بالدواليب لتطوير قطاع الاتصالات منذ أيام كورونا والحرب وحتى اليوم هي الحزب نفسه".

واذا كانت حملة الحزب مفهومة، فقد كان مستغربا أن ينتقد النائب ياسين ياسين في تصريح سابق من مجلس النواب في 5 تشرين الأول 2025، اتاحة خدمة ستارلينك في لبنان.  وقال ان “الدولة اللبنانية، منذ تاريخ إنشائها لليوم، لم تسمح بأي خدمة مشابهة لخدمات ستارلينك. لا يوجد في كل أسواق الخدمات في لبنان دون استثناء، خدمة واحدة تشبه خدمة ستارلينك: لا تمر عبر الجمارك، ولا عبر الحدود والمداخل والبوابات الدولية، ولا عبر محطات عبور إلى الأسواق اللبنانية، بل تصل مباشرة إلى المستهلك اللبناني دون أي دور للدولة وأدواتها: لا الأمنية، ولا المالية، ولا الجمركية، ولا الرقابية”

وفي حديثه لـ"كواليس"، كشف فخرالدين أن تأخير إدخال "ستارلينك" إلى لبنان خلال السنوات الماضية كان يُبرَّر دائمًا بـ”دواعٍ أمنية”، معتبرًا أن ملف الاتصالات لطالما خضع للتجاذبات السياسية أكثر من الاعتبارات التقنية.

وأضاف أن المخاوف المطروحة اليوم ليست مرتبطة بالخدمة نفسها التي تعد الأفضل عالميا، بل بالخسارة التي قد تلحق بـ 

"امتيازات منظومة التحكم التقليدية" بقطاع الاتصالات.

مخاوف القطاع الخاص من إفشال ستارلينك

لا يمكن فصل الحملة التي شنها الحزب على ستارلينك، عن الحملة ضد الهيئة الناظمة بهدف تعطيل وضع دفتر شروط لاستدراج عروض من قبل كبرى الشركات العالمية لتشغيل قطاع الاتصالات، والتي ستؤدي الى كف الهيمنة شبه المطلقة للقوى السياسية على قطاع الاتصالات منذ ٢٠١٢ وادت الى خسارة الخزينة لنحو ٨٠٪ من المداخيل السنوية المتأتية من هذا القطاع، لتصل الى ما بين ١٠٠ الى ٢٠٠ مليون دولار سنويا، مقابل نحو مليار دولار العام ٢٠١٢ وما قبله. 

وشكل دخول "ستارلينك" إلى السوق اللبناني خطوة نوعية يمكن أن تساهم في إخراج قطاع الاتصالات من أزمته الطويلة. فالخدمة توفّر إنترنت فضائي عالي السرعة ومنخفض الاستجابة، ما يسمح بتجاوز مشاكل الشبكات الأرضية المتهالكة والانقطاعات المتكررة الناتجة عن أزمة الكهرباء والبنية التحتية.

ومن أبرز الإيجابيات التي تقدمها الخدمة، تأمين تغطية واسعة للمناطق النائية التي تعاني ضعف الشبكات التقليدية، إضافة إلى توفير إنترنت أكثر استقرارًا للمؤسسات والشركات والأفراد، خصوصًا للقطاعات التي تعتمد على التواصل الدائم مع الخارج. كما أن وجود بديل تقني مستقل نسبيًا عن الشبكات المحلية قد يخفف من تأثير الأعطال والانهيارات المتكررة التي يشهدها لبنان.

وفي هذا الاطار عبر فخرالدين خوفه من ان "تقوم الدولة بإفشال ستارلينك كما فعلت بقطاع الاتصالات بعد العام ٢٠١٢"، محذرا من ان القوى السياسية وعلى رأسها الحزب قد تقوم بـ "السيطرة على ستارلينك وتحديد الأسعار منعا للتنافس، وربما تبدأ القوى السياسية بخلق شركات وسيطة تتولى هي إعادة بيع خدمة ستارلينك في السوق اللبناني".

وسيؤدي ذلك، بحسب فخر الدين، الى ان "تصبح الخدمة غير فعالة وربما لاحقا يتم حصرها بفئة محددة من المستخدمين ومنع رواجها"، موضحا ان "الوزير الحالي للاتصالات متعاون للخدمة لكن ليس هناك ما يضمن عدم الانقلاب على السياسة الحالية ومحاصرتها وإفشالها كما حصل مع قطاع الاتصالات العام ٢٠١٢". 

اقتصاديًا أيضًا، لا يقتصر الأمر على تحسين الخدمة فقط، بل ستحصل الدولة اللبنانية على عائد يصل إلى 25% من كل عقد يُوقّع بين المؤسسات وخدمة "ستارلينك"، ما يفتح الباب أمام مورد إضافي للخزينة في قطاع يعاني أساسًا من تراجع الإيرادات.

في بلدٍ يعيش واحدة من أسوأ أزمات الاتصالات والانهيار التقني، يبدو أن دخول "ستارلينك" إلى لبنان يتجاوز كونه مجرد خدمة إنترنت جديدة، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على مواكبة التطور التكنولوجي بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة. وبين من يرى في المشروع فرصة لإنقاذ قطاع مترهّل وفتح باب المنافسة والتحديث، ومن يحاول تصويره كتهديد سيادي وأمني، يبقى السؤال الأساسي: هل الأولوية اليوم لحماية نفوذ المنظومة التقليدية، أم لتأمين خدمة حديثة وفعالة يحتاجها اللبنانيون منذ سنوات؟