في خطوة تُعتبر بأنها غير اعتيادية في توقيتها ودلالاتها، تتقاطع التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة مع حالة الجمود التي تسيطر على المفاوضات بين واشنطن وطهران، وسط تصاعد الحديث عن احتمالات انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع. نشرت البحرية الأميركية الغواصة النووية "يو إس إس ألاسكا" من فئة أوهايو في مضيق جبل طارق، في تحرك علني نادر يتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران.
نقل موقع "أرمي ريكوغنشن" عن وسائل إعلام أن الغواصة، المجهزة بصواريخ باليستية، رست في منطقة "ساوث مول" بشكل ظاهر، تحت حماية مشددة من قوات المارينز الملكية البريطانية، في مشهد يُقرأ على أنه رسالة ردع أكثر منه مجرد انتشار روتيني. الغواصة “يو إس إس ألاسكا” تُعد من أبرز مكونات الثالوث النووي الأميركي، إذ تستطيع حمل ما يصل إلى 20 صاروخاً من طراز “ترايدنت 2 دي 5”، وتتميز عادة بقدرتها العالية على التخفي والعمل في العمق دون أي ظهور علني في الممرات البحرية الحساسة. لذلك فإن رصدها في موقع مكشوف نسبياً، وبحماية علنية، يطرح تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي ترغب واشنطن في إيصالها في هذه المرحلة تحديداً.
وبحسب التقرير، فإن عملية الرسو لم تقتصر على الجانب البحري، بل رافقتها إجراءات أمنية معززة، شملت زوارق من البحرية الملكية البريطانية ووحدات غوص خاصة، إضافة إلى نشر نطاق أمني محكم حول الموقع. كما أفادت بأن طائرات تابعة لسلاح الجو الملكي نقلت تعزيزات من قوات المارينز إلى جبل طارق قبيل دخول الغواصة، ما يعكس مستوى غير مألوف من الجاهزية.
هذا التحرك العسكري تزامن مع تصاعد التوتر السياسي، بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقترحات إيرانية مرتبطة بإنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية للملف النووي، إضافة إلى الخلافات حول ملف مضيق هرمز، أحد أكثر النقاط حساسية في تجارة الطاقة العالمية. ومع تعثر الاتصالات، يبدو أن لغة الردع العسكري تعود تدريجياً إلى الواجهة كبديل عن الدبلوماسية المتعثرة.
الأهمية لا تكمن فقط في موقع الغواصة أو قدراتها، بل في طبيعة ظهورها نفسه. فالغواصات الباليستية النووية تُصمَّم أساساً للعمل في السرية التامة، بعيداً عن أي رصد أو استعراض. وبالتالي، فإن خروجها إلى العلن في هذا التوقيت يُقرأ ضمن سياق سياسي–عسكري أوسع، قد يعكس انتقالاً من مرحلة “إدارة التوتر” إلى مرحلة “إظهار الجاهزية القصوى”.
في ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان ما يجري مجرد رسالة ضغط لإعادة إيران إلى طاولة التفاوض بشروط جديدة، أم أنه مؤشر على دخول مرحلة أكثر خطورة، حيث تتراجع الدبلوماسية لصالح الاستعدادات العسكرية، وتصبح احتمالات التصعيد جزءاً من معادلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.