القائمة
10:51 26 حزيران 2026

الدولة تحسم الجدل... إزالة لافتات "شكرًا لإيران"

لبنان

لم تكن اللافتات التي حملت عبارة "شكرًا لإيران الوفية"، وانتشرت على طول أوتوستراد المطار، مجرد حملة إعلانية عابرة أو تفصيلًا مرتبطًا بإحياء مناسبة عاشوراء، بل تحولت سريعًا إلى قضية سياسية ووطنية أثارت موجة واسعة من الاعتراض، ليس فقط لدى شريحة كبيرة من اللبنانيين، بل حتى داخل البيئة الشيعية نفسها.

 

فخلال الأشهر الماضية، وبعد الحرب الأخيرة وما خلّفته من دمار واسع في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، برزت داخل البيئة الشيعية أصوات بدأت تطرح أسئلة جدية حول كلفة هذه الحرب، والدور الإيراني في هذه المرحلة. ولم تعد هذه الأسئلة محصورة في الكواليس، بل ظهرت في مواقف وسلوكيات عبّر عنها مواطنون عادوا إلى بلداتهم الجنوبية بعد وقف إطلاق النار، فوجدوا منازلهم مدمرة، فيما ارتفعت فوق الركام أعلام إيران. وبالنسبة لكثيرين، لم تكن تلك الأعلام رمزًا للنصر، بل استفزازًا لمشاعر عائلات فقدت بيوتها وأرزاقها دفاعًا عن إيران.

 

لذلك، لم يكن مستغربًا أن تعيد لافتات "شكرًا لإيران" إحياء المشهد نفسه، ولكن هذه المرة على الطريق الأكثر حساسية في لبنان، أوتوستراد المطار، الذي يشكل الواجهة الأولى للعاصمة أمام كل قادم إلى البلاد.

 

واللافت أن هذه الطريق شهدت، في المرحلة الماضية، تحولًا لافتًا بعدما أزيلت منها صور قادة حزب الله والأعلام الإيرانية، وحلّت مكانها أعلام لبنان وصور رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في مشهد اعتبره كثير من اللبنانيين خطوة تعيد إلى هذا المرفق طابعه الوطني، بعدما ارتبط لسنوات بصورة تعكس نفوذ حزب الله أكثر مما تعكس حضور الدولة.

 

هذا التحول لم يرق لجزء من جمهور حزب الله، الذي اعتاد التعامل مع هذه المنطقة باعتبارها امتدادًا لنفوذه السياسي والشعبي. إلا أن إعادة تعليق صور المرشد الإيراني علي خامنئي، إلى جانب صور مجتبى خامنئي ولافتات الشكر لإيران، أعادت الانطباع بأن هناك من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

 

وكان الأكثر استغرابًا التبرير الذي صدر لاحقًا عن اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، والذي أوضح أن الحملة تأتي في إطار إحياء مراسم عاشوراء، وأن مدتها عشرة أيام فقط، وتنتهي مع العاشر من محرم.

 

لكن هذا التبرير بدا، بالنسبة لكثيرين، أكثر إرباكًا من الحملة نفسها. فما العلاقة بين مناسبة عاشوراء الدينية وبين رفع لافتات تشكر إيران؟ وإذا كانت المناسبة دينية بامتياز، فلماذا تتحول إلى منصة لتوجيه رسائل سياسية خارجية؟ ولماذا تُربط شعائر دينية يحترمها اللبنانيون جميعًا بشعارات تمجّد دولة كانت سببًا في دمار لبنان وخرابه؟ ولدولةٍ سفيرُها مطرودٌ من لبنان؟

 

والأهم أن هذا التبرير جاء بعد إعلان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار أن هذه اللافتات مخالفة، وسيجري العمل على إزالتها، ما أعطى انطباعًا بأن الحديث عن ارتباطها بعاشوراء جاء لتبرير بقائها مؤقتًا، أكثر مما كان تفسيرًا حقيقيًا لوجودها.

 

إن القضية هنا لا تتعلق بحرية التعبير، ولا بموقف سياسي مؤيد أو معارض لإيران، بل بمبدأ سيادة الدولة اللبنانية. فمن غير المقبول أن تتحول الطرقات العامة إلى منصات دعاية لإيران، خصوصًا في مرحلة يسعى فيها لبنان إلى استعادة حضوره العربي والدولي، وترسيخ صورة الدولة صاحبة القرار على كامل أراضيها.

 

ويشكّل قرار وزارة الداخلية بإزالة هذه اللافتات خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية القضية. فاحترام القانون يقتضي أيضًا محاسبة الشركة الإعلانية التي سمحت بنشر هذه الحملة على لوحات يُفترض أنها تخضع للأنظمة والقوانين المرعية، لأن تطبيق القانون لا يكتمل بإزالة المخالفة فقط، بل بمساءلة كل من شارك في ارتكابها.

 

فالطرقات اللبنانية ليست ساحات نفوذ لإيران، بل هي جزء من الفضاء العام اللبناني، الذي يجب أن يبقى عنوانًا للدولة وحدها، وألا يُستخدم لترسيخ ولاءات تتجاوز حدود الوطن، أو لتوجيه رسائل سياسية باسم جميع اللبنانيين من دون موافقتهم.