مع اقتراب التوقيع على الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران خلال الساعات المقبلة، تتجه الأنظار إلى ما ستفرزه هذه المرحلة الجديدة من توازنات سياسية وأمنية في المنطقة. لكن بعيدًا عن النصوص والتفاهمات التقنية، يبقى السؤال الأساسي: من هو الرابح الحقيقي ومن هو الخاسر في هذه المواجهة الطويلة؟
من الواضح أن الولايات المتحدة تدخل الاتفاق من موقع القوة. فخلال السنوات الماضية نجحت واشنطن في تحقيق مجموعة واسعة من الأهداف الاستراتيجية التي سعت إليها تجاه إيران. فمن جهة، تمكنت من فرض قيود مشددة على البرنامج النووي الإيراني عبر الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية المتتالية، ومن جهة أخرى نجحت في إنهاك الاقتصاد الإيراني من خلال الحصار المالي والعقوبات وحجز الأموال وتقليص قدرة طهران على الوصول إلى الأسواق العالمية.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي، بل امتد إلى البنية الأمنية والعسكرية للنظام الإيراني. فقد تعرضت طهران لسلسلة من الضربات القاسية التي استهدفت قياداتها العسكرية والأمنية ومراكز نفوذها، فيما ساهمت العمليات الإسرائيلية، المدعومة سياسيًا وعسكريًا من واشنطن، في إضعاف الأذرع الإيرانية المنتشرة في المنطقة، من لبنان إلى العراق واليمن.
ومع ذلك، ورغم امتلاكها القدرة العسكرية والسياسية لإسقاط النظام الإيراني، لم تتجه الولايات المتحدة نحو هذا الخيار. وليس لأن واشنطن ترغب ببقاء النظام كما هو، بل لأن مصالحها الحالية تجعل من وجود نظام ضعيف وقابل للضبط أكثر فائدة من مغامرة إسقاطه بالكامل. فالولايات المتحدة تدرك أن إسقاط النظام قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة تشبه ما حصل في العراق، وما قد يستتبعه ذلك من أكلاف سياسية وعسكرية واقتصادية باهظة.
كما أن وجود نظام يمكن التحكم بمستوى قوته وضعفه يمنح واشنطن ورقة استراتيجية دائمة. فهي قادرة على استخدامه كعامل ضغط على دول المنطقة عندما تريد، وقادرة في المقابل على احتوائه أو تقييد حركته عندما تقتضي مصالحها ذلك. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الإدارة الأميركية تفضل إدارة الأزمة الإيرانية بدلًا من إنهائها بشكل جذري.
في المقابل، لا يمكن القول إن إيران خرجت منتصرة بالمعنى التقليدي للكلمة. فالنظام الإيراني تعرض خلال السنوات الأخيرة لضربات موجعة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. كما خسر جزءًا كبيرًا من قدرته على فرض معادلاته السابقة في المنطقة، وتراجعت فعالية العديد من أذرعه الإقليمية التي كانت تشكل عنصر القوة الأساسي في مشروعه التوسعي.
لكن في الوقت نفسه، استطاعت طهران تحقيق ما تعتبره هدفها الأهم: المحافظة على النظام وعدم سقوطه. فبقاء النظام، ولو بحدوده الدنيا، يمثل بالنسبة إلى القيادة الإيرانية إنجازًا استراتيجيًا بعد كل ما تعرضت له من ضغوط. كذلك تمكنت إيران من الحفاظ على حضورها الإقليمي ولو بصورة أضعف، مع الاحتفاظ بإمكانية إعادة تنشيط بعض هذه الأذرع مستقبلاً إذا ما تبدلت الظروف الإقليمية والدولية.
كما نجحت طهران في استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط عبر التلويح المتكرر بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، ما منحها قدرة على التأثير في الأسواق العالمية وإثارة المخاوف الدولية بشأن أمن إمدادات النفط والتجارة الدولية. كذلك تمكنت، ولو بصورة متفاوتة، من إبقاء هاجس التهديد الأمني حاضرًا لدى عدد من دول المنطقة.
أما إسرائيل، فهي من أبرز المستفيدين من المرحلة الحالية. فقد نجحت في تحقيق جزء كبير من أهدافها الأمنية، خصوصًا تلك المتعلقة بإضعاف القوى الحليفة لإيران في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله. كما استطاعت إبعاد جزء مهم من المخاطر التي كانت تعتبرها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
والأهم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تمكن من الحصول على غطاء أميركي واسع لمواصلة سياساته العسكرية والأمنية. ويبدو أن هذه الإنجازات ستتحول إلى أوراق سياسية سيستخدمها في الاستحقاق الانتخابي المقبل، خصوصًا أن شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي ما زالت تؤيد النهج الأمني والعسكري الذي يعتمده في التعامل مع التهديدات الإقليمية.
لكن إذا كان هناك طرف خاسر بشكل واضح في هذه المعادلة، فهو لبنان. فالحرب والصراعات الإقليمية المتصلة بالمواجهة الإيرانية - الأميركية تركت آثارًا مدمرة على البلاد. الجنوب اللبناني دفع أثمانًا باهظة من بنيته التحتية واقتصاده ومجتمعه، فيما تعرضت عشرات البلدات لدمار واسع وتهجر آلاف العائلات من منازلها.
إلى جانب الخسائر البشرية والمادية، يواجه لبنان تداعيات اقتصادية ومالية طويلة الأمد ستحتاج سنوات لمعالجتها. كما أن استمرار حالة الانقسام الداخلي والتوتر السياسي قد يفتح الباب أمام أزمات إضافية في المستقبل، خصوصًا إذا استمرت القوى الإقليمية في التعامل مع الساحة اللبنانية باعتبارها جزءًا من صراعاتها الكبرى.
في المحصلة، لا يبدو أن الاتفاق المرتقب سيصنع منتصرًا مطلقًا أو مهزومًا مطلقًا. الولايات المتحدة حققت معظم أهدافها الاستراتيجية من دون خوض حرب شاملة، وإيران نجحت في الحفاظ على نظامها رغم الضربات القاسية، وإسرائيل عززت مكاسبها الأمنية والسياسية. أما لبنان، فبقي مرة جديدة ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، يدفع ثمن صراعات الآخرين فيما تتراكم أزماته الداخلية من دون أفق واضح للحل.