لم يعد المشهد في جنوب لبنان يحتاج إلى كثير من الشرح. الإسرائيلي الذي كان يُقال إنه هُزم في بنت جبيل، أصبح اليوم على مشارف صور، وعلى مسافة قريبة من صيدا. القرى التي كانت تُقدَّم لعقود على أنها عنوان الصمود والمقاومة تحولت إلى مدن وبلدات مدمرة، وأهلها بين نازح ومهجّر وخاسر لكل ما بناه خلال عمره.
بدأت القصة من بنت جبيل. هذه المدينة لم تكن مجرد بلدة جنوبية بالنسبة إلى "حزب الله"، بل كانت رمزاً سياسياً ومعنوياً للمشروع الذي بناه الحزب طوال سنوات. لطالما قُدمت بنت جبيل على أنها "عاصمة المقاومة"، ومنها أُطلقت الخطابات التي تحدثت عن الانتصارات والهزائم التي أُلحقت بإسرائيل. لكن ما الذي بقي من هذا الرمز اليوم؟ المدينة تعرضت لدمار هائل، وأصبحت مثالاً على حجم الكارثة التي أصابت الجنوب.
بعد بنت جبيل، انتقلت النيران إلى النبطية. وإذا كانت بنت جبيل تمثل الرمز السياسي والمعنوي للحزب، فإن النبطية تمثل الثقل الاقتصادي والاجتماعي لجزء كبير من أبناء الجنوب. الأسواق، المؤسسات، الحركة التجارية، والمرافق الحيوية تعرضت لضربات قاسية، لتدفع المدينة ثمناً باهظاً لحرب لم يقرر أهلها خوضها.
واليوم يبدو أن الدور وصل إلى صور. المدينة التاريخية والسياحية التي تشكل أحد أهم وجوه لبنان الحضارية تواجه مخاطر متزايدة، خصوصاً بعد التطورات العسكرية الأخيرة وسيطرة إسرائيل على مواقع استراتيجية في محيط المنطقة، وفي مقدمها قلعة الشقيف التي لطالما اعتُبرت رمزاً للصمود الجنوبي. الخوف الحقيقي اليوم هو أن تتحول صور إلى نسخة جديدة من بنت جبيل، وأن تتكرر فيها مشاهد الدمار والتهجير التي شهدتها مدن وقرى أخرى.
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يصر الإسرائيلي على استهداف هذه المناطق تحديداً؟
الجواب لا يقتصر على البعد العسكري فقط. فإسرائيل تدرك الرمزية السياسية والمعنوية لهذه المدن والبلدات داخل البيئة الحاضنة لـ"حزب الله". ولذلك فإن استهدافها يحمل رسالة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى محاولة ضرب الصورة التي بناها الحزب عن نفسه طوال السنوات الماضية.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أخرى. فإيران، عبر "حزب الله"، دفعت لبنان إلى قلب هذه المواجهة. قرار فتح الجبهات وربط لبنان بصراعات إقليمية لا علاقة مباشرة له بها وضع الجنوب واللبنانيين أمام حرب مدمرة. أما إسرائيل، فقد وجدت في ذلك ذريعة لتوسيع عملياتها العسكرية وتدمير القرى والبلدات الجنوبية تحت عنوان مواجهة الحزب.
والنتيجة أن اللبنانيين هم من يدفعون الثمن.
القرى دُمّرت، المنازل سُويت بالأرض، الاقتصاد انهار أكثر، آلاف العائلات فقدت مصادر رزقها، ومئات آلاف اللبنانيين عاشوا تجربة النزوح والتهجير مجدداً. أما الحديث عن الإنجازات والانتصارات، فيبدو بعيداً عن واقع الناس الذين يسألون سؤالاً بسيطاً: ماذا حقق حزب الله للبنانيين ولأبناء الجنوب غير الخسائر والدمار؟
في ظل اقتراب أي مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، يصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً. ماذا جنى لبنان من كل هذه المواجهة؟ وماذا حصد الجنوبيون من سنوات ربط مصيرهم بمشاريع إقليمية أكبر منهم ومن وطنهم؟
الواقع يقول إن لبنان عاد سنوات طويلة إلى الوراء. البنية التحتية تضررت، الاقتصاد ازداد ضعفاً، والاستثمارات والسياحة والاستقرار كلها تعرضت لضربات قاسية. والأخطر أن البلاد لا تزال تعيش حالة انتظار مفتوحة على كل الاحتمالات.
فحتى لو توقفت الحرب المرتبطة بإيران غداً، ماذا سيكون مصير لبنان؟ هل ستتوقف إسرائيل عن عملياتها؟ وهل سيعود النازحون إلى قراهم؟ وهل ستبدأ عملية إعادة الإعمار؟ أم أن الجنوب سيبقى ساحة مفتوحة لصراعات لا تنتهي؟
المؤشرات الحالية لا تدعو إلى التفاؤل. فإسرائيل لا تبدو متحمسة لوقف التصعيد، وهي تستفيد من كل ذريعة متاحة لتوسيع نطاق عملياتها. وفي المقابل، لا يزال "حزب الله" يرفض التعامل مع الواقع الجديد الذي فرضته الحرب، ويواصل سياسة المماطلة في ملف السلاح ومستقبل دوره العسكري.
وبين الطرفين يبقى لبنان الضحية الأكبر.
كل يوم يمر من دون حل حقيقي يعني مزيداً من الدمار ومزيداً من الخسائر. وكل يوم يتأخر فيه القرار اللبناني الحاسم بإعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي كصاحبة القرار الأمني والعسكري الوحيد، يفتح الباب أمام جولات جديدة من المآسي.
من بنت جبيل إلى النبطية وصولاً إلى صور، المشهد واحد: مدن تدفع الثمن، وشعب يخسر مستقبله، ودولة عاجزة عن حماية أرضها وأهلها. أما السؤال الذي سيبقى يلاحق الجميع فهو: هل كان كل هذا الدمار يستحق أن يحدث؟ وهل ما زال هناك من يعتبر أن ما جرى يمكن وصفه بالانتصار؟