تتوسع يوماً بعد يوم الحملة السياسية والإعلامية التي تستهدف وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، في مشهد يصعب فصله عن الملفات التي فتحها داخل الوزارة، ولا سيما تلك المرتبطة بمطار رفيق الحريري الدولي. فالمسألة لم تعد تقتصر على انتقاد قرار أو الاعتراض على إجراء إداري، بل باتت أقرب إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع وزير قرر الاقتراب من واحد من أكثر المرافق حساسية في لبنان، وهو المرفق الذي شكّل على مدى سنوات طويلة إحدى أبرز ساحات النفوذ السياسي والأمني والإداري للثنائي الشيعي.
فمنذ سنوات، لم يكن مطار رفيق الحريري الدولي مجرد بوابة لبنان الجوية إلى العالم، بل تحوّل إلى مساحة نفوذ للثنائي الشيعي. لذلك، لم يكن مستغرباً أن تبدأ الاعتراضات مع كل خطوة تهدف إلى إعادة القرار داخل المطار إلى المؤسسات الشرعية، وإعادة الاعتبار لدور الدولة في إدارته.
ومنذ توليه وزارة الأشغال، لم يدخل فايز رسامني في سجالات سياسية أو إعلامية، بل ركّز على ملفات وزارته، وفي مقدمها ملف المطار. إلا أن النتائج التي بدأت تظهر على الأرض كانت كافية لإثارة قلق الثنائي، الذي لطالما اعتاد التعامل مع هذا المرفق باعتباره جزءاً من نفوذه المباشر أو غير المباشر. فالتغييرات الإدارية التي شهدها المطار خلال الأشهر الماضية، والإجراءات التنظيمية التي أُقرت، أعادت رسم المشهد داخل هذا المرفق، ورسّخت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة حضوراً أكبر للدولة في إدارة شؤونه.
لكن التحول الأبرز الذي أثار انزعاجاً واضحاً لدى الثنائي الشيعي تمثّل في مشروع إنشاء "مؤسسة مطار بيروت الدولي". فهذا المشروع لا يقتصر على تعديل إداري أو إعادة توزيع للصلاحيات، بل يؤسس لمرحلة جديدة في إدارة المطار تقوم على الاستقلالية والكفاءة والحوكمة، بعيداً عن التدخلات السياسية التي حكمت هذا القطاع لعقود طويلة.
وتكمن أهمية هذه المؤسسة في أنها ستتولى إدارة واحد من أهم المرافق السيادية في لبنان وفق معايير مؤسساتية واضحة، ما يعني عملياً إنهاء مرحلة طويلة من النفوذ السياسي الذي كان يطغى على القرارات الإدارية داخل المطار. كما أن رئاسة المؤسسة الجديدة ستُسند إلى شخصية سنية من مدينة بيروت، الأمر الذي أعاد التأكيد على الدور الطبيعي للعاصمة وأبنائها في إدارة هذا المرفق الحيوي، وهو ما أثار حفيظة جهات كانت تعتبر نفسها صاحبة الكلمة الفصل في هذا الملف.
وفي خضم هذه المعركة، برزت مفارقة لافتة تمثلت في انخراط نائب بيروتي في الحملة نفسها التي تستهدف وزير الأشغال ومشروع إعادة تنظيم إدارة المطار. والمفارقة أن هذا النائب، الذي يُفترض به أن يكون في موقع الدفاع عن مصالح العاصمة وحقوق أهلها، وجد نفسه عملياً في الموقع نفسه الذي يقف فيه الثنائي الشيعي في هذه المواجهة، سواء عن قصد أو عن غير قصد.
فبدل أن يدعم مشروعاً يعزز دور الدولة داخل المطار ويكرّس حضور بيروت في إدارة أحد أهم مرافقها، اختار الانضمام إلى حملة سياسية تصب نتائجها مباشرة في مصلحة الثنائي. وهو أمر يطرح علامات استفهام مشروعة حول الجدوى السياسية من هذا التموضع، وحول الرسالة التي تُوجَّه إلى أبناء بيروت الذين لطالما طالبوا باستعادة الدولة لدورها داخل مؤسساتها ومرافقها العامة.
والواقع أن الضرر الناتج عن هذه الحملة لا يقتصر على الوزير أو على الحكومة، بل يطال بيروت نفسها. فالمعركة اليوم ليست معركة أشخاص، بل معركة تتعلق بمن يدير المطار، وكيف يُدار، ولصالح من تُتخذ القرارات داخله. وعندما يقف نائب بيروتي في مواجهة مشروع يعيد القرار إلى الدولة ويعزز دور العاصمة في إدارة هذا المرفق، يصبح السؤال مشروعاً: هل الأولوية هي لمصلحة بيروت وأهلها أم لحسابات سياسية أخرى؟
ولم يقتصر الأمر على ملف المطار وحده. فوزير الأشغال كان أيضاً من أبرز الداعمين لإعادة إحياء مشروع مطار القليعات، الذي بقي مجمداً لعقود طويلة بفعل الحسابات السياسية. فهذا المشروع لا يشكل فقط فرصة إنمائية واقتصادية للشمال اللبناني، بل يفتح الباب أمام تطوير قطاع الطيران في لبنان وتخفيف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي. غير أن هذا المشروع بدوره اصطدم بمعارضة سياسية من الجهات نفسها التي اعتادت التحكم بمفاصل هذا القطاع.
لذلك، تبدو الحملة الحالية على فايز رسامني أبعد بكثير من مجرد خلاف سياسي أو إداري. إنها مواجهة مرتبطة مباشرة بمحاولة استعادة الدولة لمرافقها ومؤسساتها، وإنهاء مرحلة طويلة من هيمنة الدويلة على قطاعات حيوية يفترض أن تكون ملكاً لجميع اللبنانيين.
ولهذا السبب، كلما تقدمت خطوات الإصلاح داخل وزارة الأشغال، وكلما اقتربت مشاريع تطوير المطار والقليعات من التنفيذ، ارتفع منسوب الهجوم على الوزير. فالمشكلة بالنسبة إلى الثنائي ليست في شخص فايز رسامني، بل في النتائج التي بدأت تظهر على الأرض، وفي احتمال نجاح تجربة تعيد للمرة الأولى منذ سنوات طويلة القرار داخل المطار إلى الدولة اللبنانية، وتسحب من أيدي القوى السياسية واحداً من أهم مواقع النفوذ التي تمسكت بها لعقود.