في لحظة دقيقة يمر بها لبنان على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، جاء القرار السعودي باستئناف استيراد المنتجات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية ليشكّل أكثر من مجرد خطوة اقتصادية أو تجارية. فالقرار الذي اتخذه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يحمل في طياته رسائل سياسية عميقة، ويؤكد مرة جديدة أن المملكة كانت ولا تزال تنظر إلى لبنان من موقع الحرص على استقراره وازدهاره، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بمبدأ أساسي عنوانه احترام الدولة ومؤسساتها وسيادتها.
لقد انتظر اللبنانيون هذه الخطوة لسنوات طويلة، خصوصًا أن السوق السعودية كانت تاريخيًا من أهم الأسواق التي تستقبل المنتجات اللبنانية، وتشكل متنفسًا حيويًا للقطاعات الزراعية والصناعية اللبنانية. وخلال السنوات الماضية، دفع الاقتصاد اللبناني ثمن التوتر الذي أصاب العلاقات بين لبنان ومحيطه العربي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، نتيجة سياسات وممارسات لم تكن تعبر عن إرادة الدولة اللبنانية، بل عن مشروع آخر وضع لبنان في مواجهة مع أشقائه العرب وخدمة لأجندات خارجية لا علاقة لها بمصلحة اللبنانيين.
قرار المملكة بمنع استيراد المنتجات اللبنانية لم يكن يومًا قرارًا اعتباطيًا أو سياسيًا بمعناه الضيق، بل جاء نتيجة وقائع خطيرة أبرزها عمليات تهريب الكبتاغون إلى الأراضي السعودية، والعجز الذي كانت تعانيه الدولة اللبنانية في ضبط حدودها ومرافقها ومحاسبة المسؤولين عن هذه العمليات. يومها، وجدت المملكة نفسها مضطرة لحماية أمنها ومجتمعها، بعدما تحولت الأراضي اللبنانية إلى منصة تستخدمها جهات نافذة لتنفيذ مشاريعها بعيدًا عن سلطة الدولة.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة. فلبنان يشهد بداية مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة لدورها وقرارها السيادي. صحيح أن الطريق لا يزال طويلًا، لكن المؤشرات التي ظهرت خلال الأشهر الماضية تعكس تحولًا سياسيًا واضحًا في مقاربة الملفات الوطنية والسيادية. وقد برز ذلك من خلال المواقف التي اتخذها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، واللذان أظهرا تمسكًا متزايدًا بمنطق الدولة ومؤسساتها وبمصالح اللبنانيين أولًا.
هذه المواقف لم تمر مرور الكرام عربيًا ودوليًا، بل لاقت متابعة وترحيبًا من الدول الشقيقة والصديقة التي لطالما طالبت بقيام دولة لبنانية فعلية قادرة على الإمساك بقرارها السيادي والأمني. ومن هنا يمكن فهم القرار السعودي الأخير، ليس فقط كإجراء اقتصادي، بل كمكافأة سياسية للدولة اللبنانية ورسالة دعم واضحة لمسار استعادة المؤسسات لدورها الطبيعي.
فالرسالة الأبرز التي يحملها هذا القرار هي أن العالم العربي لا يعادي لبنان، بل كان ينتظر عودة الدولة اللبنانية. وعندما بدأت الدولة تستعيد موقعها، بدأت الأبواب العربية تُفتح مجددًا أمامها. وهذا ما تؤكده المملكة العربية السعودية اليوم من خلال هذه الخطوة التي تعني عمليًا أن الاستثمار والدعم والانفتاح العربي مرتبط بوجود دولة قوية قادرة على فرض القانون وحماية مصالحها وعلاقاتها الخارجية.
اقتصاديًا، يشكل القرار فرصة ثمينة للبنان في هذه المرحلة الصعبة. فالقطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعية والصناعية، عانت خلال السنوات الماضية من خسائر كبيرة نتيجة فقدان السوق السعودية والخليجية. ومع استئناف التصدير إلى المملكة، تبرز فرصة حقيقية لتحريك عجلة الإنتاج وزيادة الصادرات وتأمين فرص عمل جديدة ودعم آلاف العائلات اللبنانية التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على هذه القطاعات.
لكن أهمية القرار تتجاوز الأرقام والمؤشرات الاقتصادية. فهو يعيد ترميم الثقة بلبنان كدولة وشريك عربي، ويؤكد أن العودة إلى الحضن العربي ليست شعارًا سياسيًا، بل مسارًا عمليًا يترجم بخطوات ملموسة عندما تلتزم الدولة بمسؤولياتها وتضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر.
لقد أثبتت التجارب أن لبنان يزدهر عندما يكون جزءًا طبيعيًا من محيطه العربي، ويتراجع عندما يتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين. واليوم، يبدو أن اللبنانيين أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء هذه العلاقة على أسس جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وسيادة الدولة.
وفي خضم كل ذلك، يبقى القرار التاريخي الذي اتخذه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رسالة واضحة إلى اللبنانيين قبل المسؤولين: عندما تستعيد الدولة قرارها، وعندما تصبح المؤسسات هي المرجعية الوحيدة، فإن الدعم العربي يعود، والاستثمار يعود، والثقة تعود. وما استئناف استيراد المنتجات اللبنانية إلى المملكة إلا الدليل الأول على أن لبنان بدأ يستعيد مكانه الطبيعي، وأن الأشقاء العرب، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية، كانوا ينتظرون فقط أن تتقدم الدولة إلى الواجهة، لتعود