تحاول إيران في الحرب الحالية إعادة إحياء نظرية "وحدة الساحات"، التي ارتبطت باسم قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، لكن ضمن مقاربة مختلفة تفرضها التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما بعد سقوط النظام السوري وتراجع قدرة المحور على إدارة جبهات متزامنة.
في هذا السياق، انتقلت طهران من نموذج "الجبهة الواحدة" إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على ربط الجبهات تدريجياً، واستخدام كل ساحة وفق توقيتها ووظيفتها ضمن معركة استنزاف طويلة.
ضمن هذه المعادلة، برز جنوب لبنان كمركز ثقل رئيسي، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على "حزب الله"، بل تحوّلت إلى ساحة تستقطب تشكيلات غير لبنانية يجري دمجها ضمن بنية عملياتية واحدة.
وبحسب مصدر امني رفيع ل "كواليس"، يشارك عناصر من "الحشد الشعبي" العراقي، إلى جانب مقاتلين من جنسيات مختلفة، ضمن محاور القتال، في إطار تنسيق غير معلن تشرف عليه جهات مرتبطة بالحرس الثوري.
وكشف المصدر أنّ التطور الأبرز يتمثل في حضور عناصر سابقة من جيش النظام السوري، وتحديداً من وحدات النخبة، حيث تفيد المعلومات بوجود نحو 22 ضابطاً من الحرس الجمهوري السوري السابق داخل لبنان، يعملون إلى جانب "حزب الله" ضمن مهام غير قتالية مباشرة.
وتتركز أدوار هؤلاء الضباط في مجالات التخطيط الميداني، تنظيم خطوط الإمداد، وإدارة بعض المسارات اللوجستية التي تربط بين البقاع والجنوب، مستفيدين من خبراتهم التي راكموها خلال سنوات الحرب في سوريا.
إلى جانب هؤلاء، تنشط مجموعات من فلول النظام السوري السابق، التي أعيد تدويرها ضمن شبكات غير رسمية، وتتولى مهام لوجستية وأمنية، تشمل تأمين النقل، حماية خطوط الإمداد، والمساعدة في إدارة البنية الخلفية للجبهة. ولا تعمل هذه العناصر كوحدات مستقلة، بل تندمج ضمن منظومة يقودها "حزب الله"، بإشراف غير مباشر من الحرس الثوري، ما يعكس إعادة استخدام ممنهجة للموارد البشرية التي أنتجتها الحرب السورية.
ويتقاطع هذا الحضور مع وجود مقاتلين عراقيين وأفغان وباكستانيين، جرى نقل جزء منهم إلى لبنان بعد تقلص دورهم في سوريا، حيث يتم توزيعهم ضمن مجموعات صغيرة تندمج مع تشكيلات الحزب. وتبرز في هذا الإطار "فرقة الإمام الحسين" كوحدة أساسية تتولى تجميع هؤلاء المقاتلين، وإدارة توزيعهم على الجبهات، بما يعكس وجود هيكل تنظيمي واضح لهذه الشبكة العابرة للحدود.
في المقابل، تعكس عمليات الاغتيال التي طالت قيادات ميدانية، مثل يوسف هاشم وعلي طباجة، محاولة إسرائيلية لاستهداف البنية التي تدير هذا الترابط بين الجبهات، وليس فقط القيادات المحلية، في ظل إدراك متزايد لطبيعة التحول في تركيبة القوى المقاتلة داخل لبنان.
ويشير المشهد الحالي الى تحوّل لبنان إلى نقطة ارتكاز لإعادة تركيب "وحدة الساحات"، ولكن بصيغة جديدة تقوم على شبكة مرنة من المقاتلين والبنى اللوجستية العابرة للحدود. وفي ظل غياب أي مسار دبلوماسي فعّال، واستمرار التصعيد الإسرائيلي، تبدو هذه الشبكة مرشحة للتمدد أكثر، ما يضع لبنان في قلب معادلة إقليمية مفتوحة على احتمالات طويلة ومعقدة.