في ظل الانهيار المتسارع للقدرة الشرائية وتمدد تداعيات الحرب إلى لقمة عيش اللبنانيين، أكد الدكتور أنيس أبو دياب عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان في حديث خاص لـ "كواليس"، أن تحرك وزارة الاقتصاد الأخير بإحالة ملف المخالفين إلى النيابة العامة المالية يمثل عودة الوزارة لممارسة دورها الطبيعي والأساسي في حماية المستهلك من جشع بعض التجار والمستوردين خلال الأزمات. وشدد أبو دياب على أن هذه الخطوة، وإن كانت قانونية في ظاهرها، إلا أنها تحمل أبعاداً اقتصادية تهدف إلى إعادة إحياء المنافسة داخل السوق؛ فالمنافسة هي الكفيلة بتحسين الجودة وخفض الأسعار أو استقرارها، معتبراً أن الأولوية اليوم هي لفرض هيبة الدولة ومؤسساتها لردع كل من يستغل وجع المواطنين.
لبنان بين فكّي الحرب والغلاء: استنفار رسمي لمواجهة "تجار الأزمات"
ارتفاع الأسعار يضاعف مآسي الحرب مع زيادة إجمالية تجاوزت 30% وتراجع حاد في القدرة الشرائية، وهذا ما يهدد الأمن الغذائي في لبنان. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الاقتصاد والتجارة عن إحالة ملف قضائي عاجل إلى النيابة العامة المالية يتضمن أسماء مستوردين وموزعين وأصحاب مؤسسات ومولدات كهربائية، تورطوا في جرائم تلاعب بالأسعار واحتكار واستغلال صريح للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
المحروقات.. فتيل الانفجار المعيشي
لا يمكن فصل موجة الغلاء الحالية عن أزمة الطاقة، إذ يشكّل ارتفاع المحروقات المحرّك الأساسي للتضخم الحاصل. فقد سجلت أسعار البنزين ارتفاعاً بنسبة 80%، بينما قفزت أسعار المازوت بنسبة 85%، وهو ما انعكس مباشرة على تكاليف النقل وإنتاج الغذاء وتأمين الخدمات الأساسية. هذا الارتفاع المتسارع لم يكن مجرد نتيجة لتبدلات الأسواق، بل تحول في كثير من الأحيان إلى ذريعة استخدمها البعض لفرض زيادات عشوائية وغير مدروسة، مما وضع شريحة واسعة من اللبنانيين تحت خط الفقر الغذائي.
تآكل القدرة الشرائية: الغذاء في دائرة الخطر
تشير أرقام إدارة الإحصاء المركزي ومؤشرات جمعية المستهلك لعام 2026 إلى قفزات خطيرة في أسعار السلع الأساسية، حيث سجل مؤشر الغذاء تضخماً سنوياً يقارب 16%:
• الخضار: سجلت زيادة تجاوزت 15% نتيجة ارتفاع كلفة الري والنقل.
• اللحوم: شهدت ارتفاعاً تراوح بين 7% و10%.
• المنظفات والمواد المنزلية: سجلت القفزة الأعلى بنسبة وصلت إلى 20.5%.
هذا الواقع حوّل تأمين الوجبة اليومية إلى معركة حسابية شاقة، في ظل فجوة واسعة بين الأرقام الرسمية والأسعار الحقيقية، مما دفع الوزارة لمراقبة نحو 60 سلعة غذائية أساسية بشكل مكثف لضمان عدم التلاعب بأسعارها.
تحرك قضائي لضرب الاحتكار
أمام هذا الواقع، لم تكتفِ وزارة الاقتصاد والتجارة بالرصد، بل انتقلت إلى إجراءات الردع القانوني. فقد أعلنت الوزارة في بيان رسمي أن الوزير الدكتور عامر البساط أحال ملفاً قضائياً عاجلاً إلى النيابة العامة المالية، يضم قوائم بأسماء المتورطين في مخالفات موثقة تستوجب التحقيق في جرائم التلاعب بالأسعار واحتكار السلع الأساسية لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة على حساب اللبنانيين.
رسالة حاسمة ضد "الاستغلال المفتعل"
وفي نبرة تحذيرية، أكد الوزير البساط أن الوزارة لن تقف مكتوفة الأيدي، مشدداً على أن أي ارتفاع في كلفة المحروقات والنقل لا يجيز إطلاق موجة تضخمية مفتعلة تفتقر إلى المبررات الاقتصادية. وأوضح البيان أن مديرية حماية المستهلك رصدت مخالفات جسيمة تمثلت في تجاوز هوامش الأرباح القانونية، والامتناع عن البيع لتعطيش السوق، وتوظيف مناخ الحرب لابتزاز المستهلكين.
مواجهة التحدي بالقانون
وما يثير القلق بشكل أكبر، هو لجوء عدد من المخالفين إلى تكرار أفعالهم الجرمية رغم محاضر الضبط السابقة. بناءً عليه، طالب البساط والخبراء الاقتصاديون، ومن بينهم د. أنيس أبو دياب، النيابة العامة المالية باتخاذ إجراءات فورية وملاحقة المتورطين بأقصى العقوبات الرادعة. واختتمت الوزارة بيانها بالتأكيد على استمرار الرقابة الميدانية دون هوادة: فإما الالتزام بالقانون، وإما مواجهة المساءلة الكاملة لكل من يعبث باستقرار الأسواق في هذا التوقيت الحرج.