في الأسواق اللبنانية، تبدو الحركة للوهلة الأولى طبيعية، لكن خلف هذا المشهد اليومي تختبئ أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث تتقاطع تداعيات الحرب مع واقع مالي هشّ أساسًا. ومع تصاعد التوترات، باتت كلفة المعيشة والقدرة على تأمين الأساسيات في صدارة اهتمامات اللبنانيين.
ما هو وضع الاقتصاد اللبناني في عام 2026؟
لم تعد العائلات اللبنانية تتسوق كما في السابق، إذ تشير أرقام صادرة عن الهيئات الاقتصادية اللبنانية إلى تراجع النشاط التجاري بنحو 50%، مع انخفاض مبيعات السلع غير الأساسية بين 60% و80%، مقابل استمرار الطلب على السلع الأساسية عند مستويات شبه مستقرة. هذا التحول يعكس انتقالًا واضحًا نحو الاستهلاك الضروري فقط.
وفي السياق نفسه، تشير تقديرات مصرفية، وفق ما أوضح كبير الاقتصاديين في بنك عوده مروان بركات، إلى أن معدل التضخم قد يصل إلى نحو 15% خلال عام 2026، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة والنقل، ما يزيد من الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.
اقتصاد هشّ يعتمد على الخارج
تتفاقم الأزمة بسبب طبيعة الاقتصاد اللبناني القائم على الاستيراد، إذ يؤكد خبراء اقتصاديون أن لبنان يعتمد على الخارج لتأمين أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية، ما يجعله شديد التأثر بأي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في تكاليف الشحن والطاقة.
ويشير الخبير الاقتصادي عماد عكوش إلى أن هذا الاعتماد الكبير، إلى جانب تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع تكاليف النقل، ساهم في ارتفاع الأسعار محليًا بنحو 40%، مع زيادات إضافية في أسعار المواد الغذائية تراوحت بين 7% و15%.
ما هو الوضع الاقتصادي في لبنان؟
لم تقتصر الأزمة على الاستهلاك، بل امتدت إلى مختلف القطاعات الإنتاجية. فقد أظهرت بيانات الهيئات الاقتصادية تراجع القطاع الصناعي بنحو 50% نتيجة توقف عدد من المصانع، فيما انخفض النشاط الزراعي بنحو 40% بسبب تعطل الإنتاج والتصدير.
أما القطاع السياحي، فكان من الأكثر تضررًا، إذ تراجعت نسبة إشغال الفنادق إلى ما بين 10% و15%، فيما انخفضت حركة المطاعم بنحو 90%، إلى جانب تراجع كبير في نشاط السفر والخدمات، ما يعكس حالة ركود واسعة في الاقتصاد.
المحروقات: انعكاس مباشر للأزمة العالمية
في قلب الأزمة، يبرز قطاع المحروقات كأحد أبرز عناصر الضغط. ويؤكد رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس أن ارتفاع الأسعار في لبنان يرتبط مباشرة بارتفاع أسعار النفط عالميًا، في ظل التوترات في منطقة الخليج واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
ويشير البراكس إلى أن سعر برميل النفط تجاوز 100 دولار، ما انعكس تلقائيًا على السوق المحلية، نظرًا لاعتماد لبنان الكامل على الاستيراد. ورغم ذلك، يؤكد أن الإمدادات لا تزال متوافرة، مع استمرار وصول الشحنات عبر البحر المتوسط.
وتُقدّر مستويات الاستهلاك اليومية في لبنان بنحو 8 ملايين ليتر من البنزين و10 ملايين ليتر من المازوت، فيما يشكّل احتفاظ المواطنين بكميات من الوقود داخل سياراتهم مخزونًا إضافيًا غير مباشر داخل السوق.
بين التطمينات الرسمية والقلق الشعبي
رغم هذا الواقع، تحاول الجهات الرسمية والنقابية طمأنة المواطنين. إذ تشير المعطيات إلى توافر مخزون من المواد الغذائية والمحروقات والأدوية لفترات تتراوح بين ثلاثة وثمانية أشهر.
وفي هذا الإطار، يؤكد نقيب الصيادلة عبد الرحمن مرقباوي أن الأدوية متوافرة ولا يُتوقع حدوث أي أزمة في المدى المنظور، في ظل استمرار الاستيراد وثبات الأسعار. كما تشير نقابات الأفران إلى توفر الطحين والقمح لأكثر من ثلاثة أشهر، مع الحفاظ على الأسعار الحالية رغم ارتفاع التكاليف.
في المقابل، تواصل وزارة الاقتصاد تكثيف الرقابة على الأسواق، حيث تم تسجيل مخالفات تتعلق بالاحتكار والتلاعب بالأسعار، في محاولة للحد من استغلال الأزمة.
الحرب تفاقم أزمة قائمة
لا تنفصل هذه التطورات عن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ سنوات، والتي أدت إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات الفقر. ومع الحرب الحالية، تتضاعف الضغوط على الاقتصاد، في ظل تراجع النشاط وتقلص الاستثمارات.
سيناريوهات مفتوحة على المجهول
يبقى مستقبل الاقتصاد اللبناني مرتبطًا بمسار الحرب. ووفق السيناريوهات التي عرضها كبير الاقتصاديين في بنك عوده، قد يحقق الاقتصاد نموًا محدودًا في حال انتهاء النزاع سريعًا، بينما قد يدخل في ركود إذا استمر لعدة أشهر.
أما في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، فقد ينزلق الاقتصاد إلى مرحلة كساد، مع انكماش حاد في الناتج المحلي قد يصل إلى نحو 10%، إضافة إلى تراجع الاحتياطيات وارتفاع معدلات التضخم.
في المحصلة، يعكس الواقع الاقتصادي في لبنان مشهدًا معقدًا، حيث تتداخل تداعيات الحرب مع أزمات بنيوية عميقة. وبين الغلاء والركود، يحاول المواطن التأقلم مع واقع صعب، في انتظار أي انفراجة قد تعيد بعض التوازن إلى اقتصاد أنهكته الأزمات المتلاحقة.
إقرأ أيضاً: لبنان يسجّل تحسّنًا طفيفًا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025