لا يقتصر التعثّر الحاصل في ملف الانتخابات النيابية على الخلافات السياسية الظاهرة، بل يتجاوزها إلى مأزق قانوني/دستوري يتعلّق مباشرة بكيفية تطبيق قانون الانتخاب نفسه. فالقانون، بصيغته الحالية، لا يقدّم آلية تنفيذ واضحة لعدد من البنود الأساسية، ما يجعل تطبيقه عمليًا مستحيلًا من دون العودة إلى السلطة التشريعية لتفسيره أو استكماله.
تكمن الإشكالية الأساسية في الخلط القائم بين ما يُفترض أن يكون تشريعًا يصدر عن مجلس النواب، وبين ما يُراد تمريره على شكل مراسيم تنفيذية تصدر عن الحكومة. فثمّة نقاط التباس جوهرية لا يمكن حسمها إداريًا، بل تحتاج إلى نصّ قانوني واضح، تفاديًا لأي طعن لاحق بشرعية العملية الانتخابية.
من أبرز هذه النقاط شروط ترشّح اللبنانيين غير المقيمين، وكيفية توزيع المقاعد الستة المخصّصة لهم من حيث الانتماء الطائفي، إضافة إلى آلية مراقبة الإنفاق الانتخابي في الخارج، والجهة المخوّلة تطبيق هذه الرقابة. كما يبرز سؤال أساسي حول مصير مقاعد الاغتراب الستة، وكيفيّة دمجها ضمن المقاعد الـ128 في الدورة الانتخابيّة المقبلة عام 2030، وعلى أي أساس قانوني يمكن اتخاذ خطوة من هذا النوع.
المخاطر هنا لا تكمن في مضمون الخلاف فقط، بل في طريقة معالجته. فإعطاء الحكومة صلاحية إصدار مراسيم تنفيذية تفسّر كيفية تطبيق القانون يُعدّ تجاوزًا لدور مجلس النواب، وقد يفتح الباب أمام نزاع دستوري واسع. معطيات كواليس تشير إلى أنّ الحكومة غير مستعدّة لتحمّل هذا العبء، وترفض أن تكون طرفًا في تفسير قانون خلافي قد يُطعن به لاحقًا.
هذا الواقع يعيد الملف تلقائيًا إلى مجلس النواب، حيث يُفترض أن تُطرح التعديلات أو التوضيحات المطلوبة للتصويت. إلا أنّ التخوّف القائم يتمثّل في أنّ فتح هذا الباب قد يؤدّي إلى تصويت النواب مع إقرار اقتراع المغتربين على كامل المقاعد الـ128، وهو خيار لا يحظى بتوافق سياسي، وقد يغيّر موازين القوى داخل المجلس المقبل.
من هنا، تبرز محاولة الإبقاء على القانون في منطقة رمادية، عبر عدم إدراجه على جدول أعمال الهيئة العامة، ما يحول دون حسم الإشكال، ويُبقي الاستحقاق النيابي معلّقًا. فلا قرار بتعديل القانون، ولا قدرة على تطبيقه كما هو، فيتحوّل التعطيل إلى أمر واقع من دون إعلان رسمي.
في المحصّلة، لا يقف قانون الانتخاب أمام أزمة تقنية عابرة، بل أمام مأزق تشريعي حقيقي، حيث يتقاطع غياب التفسير القانوني الواضح مع الحسابات السياسية، ويصبح تأجيل الانتخابات نتيجة طبيعية لغياب القرار، لا نتيجة قرار معلن.