القائمة
12:00 30 أيار 2026

مانشيت | من "الشقيف" إلى "علي الطاهر".. إسرائيل تفرض خرائطها قبل المفاوضات: الجنوب جيوب منفصلة تحت النار

وراء الكواليس

تزامناً مع انطلاق المفاوضات العسكرية اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، دخلت الجبهة الجنوبية اللبنانية مرحلة ميدانية أكثر خطورة، عنوانها فرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة قبل الانتقال إلى أي مسار سياسي. فإسرائيل لا تتعامل مع المفاوضات الجارية باعتبارها مدخلاً لخفض التصعيد، بل كفرصة أخيرة لاستكمال أهداف ميدانية تسعى إلى تثبيتها على الأرض قبل بدء أي نقاش سياسي حول مستقبل الحدود والترتيبات الأمنية في جنوب لبنان. 

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن القيادة العسكرية الإسرائيلية رفعت مستوى عملياتها البرية بشكل متدرج خلال الأيام الأخيرة، مع التركيز على ثلاثة محاور رئيسية:

1- الأول يمتد من الخيام باتجاه دبين والطيبة ودير سريان والخردلي، حيث تسعى القوات الإسرائيلية إلى إنشاء شريط ارتكاز متقدم يسمح بالوصول إلى محيط قلعة الشقيف وربط القطاع الشرقي بالمرتفعات المشرفة على النبطية. 

2- أما المحور الثاني فيتركز في منطقة أرنون والنبطية الفوقا ومحيط قلعة الشقيف ومرتفعات علي الطاهر، حيث تحاول القوات الإسرائيلية السيطرة على العقد الجغرافية التي تتحكم بالطرق الرابطة بين النبطية ومرجعيون وإقليم التفاح.

3- ويمتد المحور الثالث على الساحل الجنوبي عبر الضغط المتواصل على محيط مدينة صور والقرى الساحلية وصولاً إلى تخوم الزهراني. 

وفي هذا الإطار، شهدت بلدة دبين تعزيزات إسرائيلية إضافية نُقلت من محور الخيام، بالتزامن مع قصف مدفعي كثيف استهدف دبين وعريض مرجعيون ومحيط ساحة البلدة. كما تلقى سكان مرجعيون رسائل مباشرة من الجيش الإسرائيلي تحذرهم من الاقتراب من دبين والمناطق الشرقية للبلدة، في مؤشر إلى وجود عمليات عسكرية واسعة يجري التحضير لها في هذا المحور. 

وتشير المعلومات إلى أن القوات الإسرائيلية تعمل على فتح ممر عملياتي يمتد بمحاذاة مجرى الليطاني وصولاً إلى الخردلي، بما يتيح لها لاحقاً دعم أي عملية عسكرية أوسع باتجاه النبطية أو محيط الشقيف. كما سُجل تراجع لبعض وحدات الجيش اللبناني من مواقع قريبة من الخيام نتيجة التطورات الميدانية المتسارعة وحجم النيران المستخدمة في المنطقة. 

وتحظى منطقة علي الطاهر بأهمية استثنائية في الحسابات العسكرية الإسرائيلية، نظراً لقدرتها على توفير إشراف مباشر على أجزاء واسعة من النبطية وإقليم التفاح ومرجعيون. ولذلك تبدو العمليات الجارية في محيطها جزءاً من محاولة إسرائيلية لإسقاط واحدة من أهم العقد الميدانية في الجنوب، بما يسمح بإعادة رسم شبكة السيطرة النارية والاستخبارية في المنطقة. كما أن السيطرة على المثلث الممتد بين أرنون ويحمر وعلي الطاهر من شأنها عملياً فصل عدد من المناطق الجنوبية عن بعضها البعض وتحويلها إلى جيوب جغرافية منفصلة يسهل التحكم بها عسكرياً. 

سياسياً، تعكس هذه العمليات توجهاً إسرائيلياً واضحاً يقوم على استباق أي ضغوط دولية أو أميركية لوقف الحرب. 

فواشنطن، البنتاغون تحديدا، وصف المفاوضات العسكرية اللبنانية – الإسرائيلية ب "البناءة"، مؤكدا انها أساسية لدعم المسار السياسي. وهذا يؤكد يزيد مخاوف تل أبيب من أن واشنطن متمسكة جدا بإطلاق المسار السياسي خلال الأيام المقبلة، ما يجعل إسرائيل تسعى للوصول إلى طاولة المفاوضات بعد تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية. ولهذا السبب تتعامل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مع عامل الوقت باعتباره جزءاً أساسياً من المعركة، وتعمل على تسريع التوغلات البرية وتوسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات والقصف بهدف فرض وقائع يصعب التراجع عنها لاحقاً. 

في المقابل، يواجه لبنان وضعاً بالغ التعقيد. فالدولة اللبنانية تدخل التفاوض تحت ضغط ميداني مباشر وفي ظل استمرار العمليات العسكرية على الأرض، فيما لا تزال الخلافات الداخلية حول ملف سلاح حزب الله تمنع تشكيل موقف لبناني موحد يمكن استخدامه في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.

 كما أن استمرار الحرب يضعف قدرة الوفد اللبناني على انتزاع ضمانات واضحة تتعلق بوقف النار أو الانسحاب الإسرائيلي أو معالجة الملفات الحدودية العالقة، خصوصاً في ظل إصرار تل أبيب على ربط أي ترتيبات مستقبلية بمطالب أمنية وسياسية أوسع. 

سوريا بين فيضانات الفرات والتوسع الإسرائيلي

بالتوازي مع التطورات اللبنانية، شهدت سوريا حدثين بارزين خلال الساعات الماضية. الأول تمثل في الزيارة الميدانية التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى محافظة دير الزور على رأس وفد حكومي ضم عدداً من الوزراء والمسؤولين المعنيين بملف الطوارئ والخدمات، وذلك لمتابعة تداعيات ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات والفيضانات التي طالت مناطق واسعة من دير الزور والرقة. وركزت الزيارة على تقييم الأضرار التي أصابت البنية التحتية والأراضي الزراعية ومحطات المياه والجسور، إضافة إلى متابعة خطط الاستجابة الطارئة التي تنفذها الوزارات المختصة وأجهزة الدفاع المدني. 

أما الحدث الثاني، فيتعلق باستمرار إسرائيل في توسيع مشروعها العسكري داخل الجنوب السوري. فقد باشرت القوات الإسرائيلية إنشاء قاعدة عسكرية متقدمة في تل أحمر الشرقي بريف القنيطرة، بالتوازي مع استكمال مشروع الطريق الأمني المعروف باسم "سوفا 53"، والذي بات يمتد على أجزاء واسعة من المنطقة العازلة المحاذية للجولان المحتل.

وتشير المعلومات إلى أن إسرائيل أنشأت هنغارات للآليات العسكرية وغرفاً محصنة ونقاط مراقبة وشبكات اتصالات ميدانية داخل المنطقة، إضافة إلى استكمال أعمال التحصين وزراعة الأسلاك الشائكة في عدد من المواقع الواقعة داخل الأراضي السورية. 

وتعكس هذه الخطوات انتقال إسرائيل من مرحلة العمليات المؤقتة داخل الجنوب السوري إلى مرحلة تثبيت بنية أمنية وعسكرية دائمة. فتل أحمر يُعد من أهم المرتفعات الاستراتيجية في الجنوب السوري، والسيطرة عليه تمنح القوات الإسرائيلية قدرة مراقبة واسعة على أجزاء كبيرة من محافظتي القنيطرة ودرعا. كما أن مشروع "سوفا 53" لم يعد مجرد طريق عسكري، بل تحول تدريجياً إلى شريط أمني متكامل يهدف إلى فرض واقع ميداني جديد على طول خط الفصل والجولان المحتل. 

وتشير مجمل التطورات في لبنان وسوريا إلى أن إسرائيل تعمل بالتوازي على جبهتين مترابطتين: الأولى فرض ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان قبل أي تسوية سياسية محتملة، والثانية تكريس منطقة نفوذ أمنية دائمة في الجنوب السوري. وبين المسارين، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة رسم للخرائط الأمنية والعسكرية، بالتزامن مع الحراك الأميركي والإقليمي الجاري لإنتاج تفاهمات أوسع تشمل لبنان وسوريا وإيران في آن واحد.