القائمة
12:00 12 أبريل 2026
"خاص كواليس"

لبنان استغل التقاطع الاميركي- الايراني لإطلاق مسار التفاوض... لكن من يملك التوقيع؟

وراء الكواليس

في لحظة إقليمية ودولية متحولة، بدت حكومة نواف سلام وكأنها التقطت التوقيت المناسب للتحرك. فبدل الانزلاق إلى فراغ أو مواجهة داخلية، اختارت الاستثمار في تبدّل المناخ السياسي المحيط بلبنان، حيث تلاقت إرادة دولية لخفض التصعيد مع ضغط عربي واضح، تقوده السعودية ودول الخليج، لدفع الدولة اللبنانية إلى الواجهة. 

واستغلت الدولة اللبنانية التقاطع الاميركي – الايراني على حاجة كل منهما الى "فصل تقني" للملف اللبناني، بهدف تخفيف الضغط عن طاولة التفاوض الرئيسية، خصوصا بعد الارباك الذي أصاب طهران بعد مجازر "الأربعاء الأسود" في بيروت، فباتت بحاجة الى من ينزلها عن "الميدنة" بعدما رفعت السقف إعلاميا من دون النية الفعلية على وقف التفاوض مع واشنطن. 

بمعنى أوضح، طهران لم تتخلّ عن لبنان، لكنها قبلت بخفض مستوى الاشتباك فيه مرحلياً، مقابل إدارة أكثر هدوءاً للتفاوض مع واشنطن. في المقابل، تتعامل الولايات المتحدة مع لبنان كملف قابل للفصل إجرائياً، أي يمكن تحريكه عبر قنوات مستقلة، لكن من دون إخراجه من السياق الإقليمي العام.

هذا الدفع لم يقتصر على البعد الدبلوماسي، بل ترافق مع محاولة تحضير الأرضية لانتقال داخلي في موازين القرار، يحدّ من ازدواجية السلطة ويعيد تثبيت موقع الدولة اللبنانية كممر إلزامي لأي تسوية. وفي هذا السياق، لم يكن فتح باب التفاوض مع إسرائيل خطوة معزولة، بل جزءاً من مقاربة أوسع تحظى بغطاء عربي وإقليمي، مع حضور سوري لافت في ضبط الإيقاع ومحاولات الانقلاب ومنع الانفلات، بما يهيئ البيئة لمرحلة مختلفة عنوانها إعادة ترتيب الداخل اللبناني على إيقاع التحولات الكبرى في المنطقة.

مساران أميركيان

وبحسب مصادر خاصة ل "كواليس"، فإن الإدارة الأميركية تتحرك وفق مسارين متكاملين:

الأول سياسي–إعلامي، هدفه إظهار حصول اختراق عبر الدفع نحو لقاء مباشر لبناني–إسرائيلي، ولو كان شكلياً، لإنتاج “صورة سياسية” تعكس تقدماً في مسار خفض التصعيد.

الثاني ميداني–أمني، يقوم على محاولة ضبط السلوك الإسرائيلي ضمن سقف يمنع استهداف بيروت والضاحية، مقابل دفع الدولة اللبنانية نحو خطوات عملية في ملف حصر السلاح.

لكن المفارقة أن واشنطن لا تملك قرار فرض وقف شامل للنار، بل تكتفي بإدارة مستوى العنف. لذلك نرى بوضوح الفصل بين “تحييد العاصمة” كهدف سياسي، واستمرار العمليات في الجنوب كأداة ضغط تفاوضي.

ثلاثة شروط إسرائيلية: نقل المعركة من الجغرافيا إلى بنية النظام اللبناني

وبحسب المعيطات، فإن ما تسعى إليه إسرائيل يتجاوز بكثير وقف إطلاق النار. الهدف الفعلي هو إعادة صياغة البيئة السياسية–الأمنية في لبنان. لذلك تطرح ثلاثة شروط غير معلنة لكنها حاضرة في كل الطروحات:

أولاً، نقل نموذج “جنوب الليطاني” إلى مناطق أكثر حساسية، بما فيها الضاحية الجنوبية، عبر إدخال الجيش اللبناني كبديل أمني.

ثانياً، إنشاء آلية رقابة غير لبنانية بالكامل، سواء دولية أو متعددة الأطراف، لضمان عدم إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله.

ثالثاً، فرض فصل تدريجي بين الدولة والحزب، بحيث يصبح التفاوض مع الأولى ممكناً دون أن يوقف استهداف الثاني.

بهذا المعنى، التفاوض بالنسبة لإسرائيل ليس مساراً دبلوماسياً، بل امتداداً للعمليات العسكرية بأدوات سياسية.

سوريا: "تنظيم الصراع" 

الدور السوري في ضبط الصراع، ليس ثانوياً، بل تقنياً وحاسماً في آن. 

وتكشف مصادر ل "كواليس" أن دمشق تعمل على مستويين متوازيين:

الأول أمني داخلي، عبر تفكيك خلايا ومنع تنفيذ عمليات ذات طابع طائفي أو حساس (مثل محاولة استهداف شخصية دينية في باب توما)، لأن أي انفلات من هذا النوع قد يخلق بيئة فوضى تتجاوز قدرة الجميع على ضبطها، بما في ذلك إيران نفسها.

الثاني إقليمي غير مباشر، يتمثل في إدارة مستوى انكشاف الأراضي السورية أمام الضربات الإسرائيلية. التوغلات المحدودة في القنيطرة ودرعا، والضغط على القرى الحدودية، ليست فقط رسائل عسكرية، بل أدوات لإعادة رسم خطوط الاشتباك ومنع تثبيت ممرات إمداد آمنة.

بذلك، تتحول سوريا إلى مساحة “تنظيم الصراع” لا إلى طرف معلن فيه، لكنها عملياً تتحكم بجزء أساسي من إيقاعه.

الداخل اللبناني: من يفاوض فعلياً؟

السؤال الجوهري ليس هل يفاوض لبنان، بل من يفاوض فعلياً. الدولة تملك الشكل الدستوري، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على الملف الأمني. في المقابل، يمتلك "حزب الله" القدرة الميدانية، لكنه لا يريد أن يظهر كطرف مباشر في التفاوض.

هذا التناقض يفسّر السلوك الحالي للحزب: القبول الضمني بمبدأ التفاوض، مقابل محاولة التأثير على جدول أعماله من الخارج. لذلك انتقل الخطاب من رفض التفاوض إلى التركيز على شروطه، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار.

في الوقت نفسه، لا يبدو الحزب في وارد تكرار سيناريوهات داخلية صدامية، ليس فقط بسبب الضغط الدولي، بل لأن أي تفجير داخلي سيُستخدم لتبرير فرض شروط أقسى عليه في التفاوض.

ما يجري اليوم هو إعادة توزيع للأدوار أكثر منه مفاوضات. الولايات المتحدة تدير الإطار، إيران تضبط الإيقاع، إسرائيل تفرض الوقائع، وسوريا تمنع الانفلات. أما لبنان، فلا يزال عالقاً بين هذه المستويات، يحاول التحول من ساحة إلى طرف، دون أن يحسم بعد من يملك قرار التوقيع.