يبدو أن تراجع شعبية حزب الله الذي برهنه الاعتصام "اليتيم" الذي نُفّذ أمس قُبالة السرايا الحكومية وانسداد الأفق السياسي أمام المحور الايراني الذي تمثله جريدة "الأخبار" أفقد القائمين عليها توازنهم، ليدخلوا في موجة جنون علنية تجاوزت حدود البروباغندا المعتادة نحو التخوين الصريح.، فانتقلوا من مرحلة "البروباغندا" إلى مرحلة "الهستيريا" العلنية. يتقاطع هذا الخطاب مع "موقع العهد" التابع لميليشيا حزب الله المحظورة، والذي يعمل كمنصة موازية لإعادة نشر وترويج مقالات الجريدة، لم يعد الأمر مجرد خلاف في وجهات النظر، بل تحولت الجريدة إلى "غرفة عمليات"، وظيفتها رصد وملاحقة المنشورات، وتوزيع صكوك العمالة والنهش في كل من يرفض سرديتهم.
إن هذا الاسلوب ليس غريباً على جريدة "الاخبار" فرئيس تحريرها بلغة تتجاوز النقد لتصل إلى التهديد المباشر بالأرواح، حين كتب في مقاله الشهير "تحسسوا رقابكم" متسائلاً بلهجة تحريضية.
تبدأ فصول هذا التحريض المنهجي مع كاتب كُلف بمقالين، الذي اعتمد في مقالاته قاموساً إقصائيًا يهدف إلى "تخوين" الخصوم. لم يجد الكاتب حرجاً في استخدام مصطلحات مثل "إبستينيّو الداخل" و"أدوات الولايات المتحدة وإسرائيل" لوصف كل من يقدم قراءة مغايرة للواقع الميداني. لقد طال هجومه الإعلامي نديم قطيش والناشط السياسي هادي مراد، متهماً إياهما بـ"فضح أنفسهما" و"تبرير المجازر" لمجرد استشرافهما لنتائج الاتفاقات الدولية، وصولاً إلى انتقاد صالح نهاد المشنوق واتهامه ببرير قتل المدنيين اللبنانيين، في محاولة رخيصة لتحويل التحليل السياسي إلى جريمة خيانة عظمى تبيح دماء أصحابها معنوياً بعد نشره فيديو تحت عنوان "تحترق طهران لتبقى بيروت، هذا منطق أيّ إنسان لبناني طبيعي، إلّا أنتم. مستعدّون لتحرقوا بيروت كي تبقى طهران". لم يكتفِ باستهداف أسماء محددة، بل شنّ هجوماً شمل الجميع بلا استثناء، معتبراً أن الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي باتت مستباحة من قِبل "الدّاعين إلى التطبيع" و"شيعة السفارة" شمل هذا الهجوم كل من يطالب بالحياد أو ينتقد الدور الإيراني، مستهدفاً إعلاميين وناشطين.
أما القسط الأكبر من "الحقد الإعلامي"، فقد صبّه على صحيفة "النهار"، التي تعرضت لهجوم شرس واتهامات بـ "الصهينة فوق جثث اللبنانيين". لم تجرم "النهار" بشيء سوى بنقل واقع الميدان كما هو، لكن "الأخبار" اعتبرت نشر صورة لرئيس الأركان الإسرائيلي أو استخدام مصطلح "قتلى" بدلاً من القاموس الذي تفرضه الجريدة، بمثابة "خيانة" و"ترويج للعدو". هذا الهجوم على "النهار" ليس إلا محاولة لتخويين المؤسسة المخالفة لسياسة "الاخبار" ،وهو يمتد ليشمل قنوات (الجديد، LBCI، mtv، OTV، وحتى تلفزيون لبنان)، التي وُصفت جميعها بـ"جوقة من أدوات الولايات المتحدة وإسرائيل"، في محاولة لنزع الصفة الوطنية عنها وإسكات أي منبر لا يتبنى رواية الجريدة حرفياً." تعيد تدوير السردية المعادية، وكأن "الأخبار" هي الوصي الوحيد على عقول اللبنانيين. كما لم تسلم صحيفة "نداء الوطن" من سهامه، حيث حُوصرت بسبب عنوانها التي طالبت بـ "بيروت مدينة منزوعة السلاح"، وهو مطلب وطني اعتبرته "الأخبار" تحريضاً وعمالة، في محاولة بائسة لترهيب كل من يطالب بقيامة الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وفي سياق موازٍ من الترهيب الفكري، نقلته كاتبة بمقال اخر إعلانها بصراحة عن الرغبة في إقامة "محاكم تفتيش" تستهدف أساتذة الجامعة اللبنانية المخالفين بالرأي.وطالبت بمحاسبة الأكاديميين ليس بناءً على أدائهم العلمي، بل بناءً على مواقفهم السياسية، معتبرةً أن وجودهم في وظائفهم داخل هذا الصرح الوطني يجب أن يرتبط بمدى ولائهم أو تماهيهم مع توجهات الحزب، وكأن الجامعة ملكية خاصة وليست لكل اللبنانيين. هذا المسلك لا يكتفي بملاحقة المنشورات، بل يضرب صميم الحريات الأكاديمية عبر فرض "موقف واحد" كشرط للعمل، محولةً الجامعة من مكان للبحث العلمي إلى ساحة لتصفية الحسابات. معتبرةً أن سحب المنشورات لا يكفي. هذا الأسلوب التحريضي يهدف إلى ترهيب الجسم التعليمي وقطع أرزاق الأساتذة (حتى المتقاعدين منهم)، محولةً الجامعة من منارة للفكر إلى ثكنة يُطارد فيها كل من لا يردد شعارات "المحور".
رئيس تحرير الجريدة، الذي لم يتوانَ يوماً عن استخدام لغة التهديد المباشر كأداة للترهيب الفكري، حيث سبق وصاغ جملته التحريضية الشهيرة التي استباحت حياة اللبنانيين وكراماتهم حين كتب: "ثم ما الذي يتوقعه هؤلاء الصغار، القذرون والتافهون، من شعب لا يزال يُقتل كل يوم... ألا يتحسس هؤلاء رقابهم وهم يخرجون يومياً من منازلهم النجسة؟ ألا يرون وصمات العار وهي ترتسم فوق جباههم، فيما الناس يرمقونهم بنظرة الحقارة؟ أم هم يعتقدون بأنهم سوف ينجون بفعلتهم إن هم قرروا أن عمالتهم هي مجرد وجهة نظر؟"
إن استمرار هذا النهج القائم على تخوين المخالفين بالرأي، من مؤسسات إعلامية وأكاديميين وسياسيين، يضع جريدة "الأخبار" في عزلة عن الواقع اللبناني المتنوع بطبعه. إن لبنان لا يمكن أن يُختزل في رأي واحد أو سردية وحيدة، ومحاولات تغييب الأصوات المعارضة تحت مسمى "الوطنية" لن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام. فالصحافة الحقيقية هي التي تبني جسور النقاش، لا التي تبني جدران التخوين، والحقيقة تظهر بالبرهان والمنطق لا بترهيب المخالفين.