القائمة
03:40 10 أبريل 2026

ازدواجية معايير "الحزب": حلال إيران.. حرام على لبنان

محلية

في مشهدٍ سياسي يكشف الكثير من الحقائق، يعود خطاب "حزب الله" ليكشف تناقضًا في الموقف لا يمكن تجاهله. فبينما لا يُبدي الحزب أي اعتراض على انخراط إيران في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية التي طالما وصفها بـ"الشيطان الأكبر"  يرفع في المقابل رفضه بأن يدخل لبنان في مفاوضات مع إسرائيل، حتى ولو كان ذلك في سياق إنهاء الحرب أو حماية المدنيين.

هذا التناقض لا يبدو تفصيلاً عابرًا، بل يعكس مقاربة انتقائية للسيادة والمصالح الوطنية. فكيف يُبرَّر لإيران أن تفاوض خصومها الاستراتيجيين دفاعًا عن مصالحها، بينما يُحرم لبنان من استخدام الأدوات الدبلوماسية نفسها لحماية أرضه وشعبه؟ وأي منطق يقف خلف اعتبار التفاوض "خيانة" في الحالة اللبنانية، و"براغماتية سياسية" في الحالة الإيرانية؟

تصريح النائب علي فياض الأخير يكرّس هذا النهج. فهو يدعو الحكومة اللبنانية إلى التمسك بوقف إطلاق النار كشرط مسبق، لكنه في الوقت نفسه يرفض أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وهنا يبرز التناقض: كيف يمكن تثبيت وقف إطلاق النار أو ضمان تنفيذه من دون قنوات تفاوض، سواء مباشرة أو عبر وسطاء؟ وهل يمكن تحقيق انسحاب إسرائيلي وعودة السكان ووقف الأعمال العدائية بمجرد الشعارات، أم أن هذه الأهداف تحتاج بطبيعتها إلى مسار تفاوضي واضح؟

الأخطر في هذا الطرح أنه يعكس توجّهًا واضحًا لإبقاء لبنان ورقة بيد إيران، لا دولة تملك قرارها. فبدل أن يكون لبنان طرفًا فاعلًا يدافع عن مصالحه، يُدفع ليبقى ضمن حسابات إقليمية أوسع تُدار من خارج حدوده. فعندما تُفتح قنوات التفاوض بين إيران والولايات المتحدة، يكون الهدف تحسين شروط طهران وتعزيز موقعها، أما حين يُمنع لبنان من التفاوض، فذلك ليس إلا محاولة لتجميد قراره السيادي وإبقائه رهينة لهذه الحسابات، بحيث يُستخدم كورقة ضغط لا أكثر.

إن التمسك بوقف إطلاق النار دون قبول مبدأ التفاوض ليس إلا وصفة لإطالة أمد الأزمة، لا لحلها. وهو يعكس رغبة ضمنية في إبقاء الوضع معلّقًا، بانتظار تسويات أكبر خارج الحدود. وفي هذه المعادلة، يدفع اللبنانيون وحدهم الثمن: أمنًا، واقتصادًا، واستقرارًا.

لم يعد الحديث عن ارتهان القرار اللبناني مجرد تحليل سياسي، بل أثبتته الوقائع الدبلوماسية الأخيرة، فبينما كان الخطاب الإيراني الرسمي يطنّ بوعود اشتراط وقف إطلاق النار في لبنان قبل أي خطوة تفاوضية، جاء وصول الوفد الإيراني إلى باكستان للجلوس على طاولة المباحثات مع الجانب الأمريكي ليضع حداً لهذه السردية. هذا التطور الميداني يعلن رسمياً سقوط شعار "وحدة الساحات"، إذ تبين أن الساحات "تتوحد" فقط في جبهات القتال والاستنزاف، بينما تنفصل تماماً حين تحين ساعة المصالح الاستراتيجية لطهران. لقد اختارت إيران حماية مسارها التفاوضي وتأمين مكاسبها مع "الشيطان الأكبر"، تاركةً لبنان وحيداً في مواجهة آلة الدمار، ومثبتةً أن "الساحة اللبنانية" ليست بالنسبة لها سوى ورقة بريد تم الاستغناء عن خدماتها مؤقتاً لتسهيل عبور الوفد الإيراني إلى طاولة المفاوضات الدولية.