تتحرك إسرائيل ضمن مسار تصعيدي متدرّج لكنه واضح الاتجاه، يقوم على توسيع نطاق العمليات داخل لبنان جغرافيًا ووظيفيًا. لم تعد المعركة محصورة جنوب الليطاني، بل امتدت إلى البقاع الغربي ومحور معبر المصنع، في مؤشر إلى انتقال الهدف من ضرب القدرات العسكرية إلى استهداف البنية اللوجستية التي تتيح استمرارية هذه القدرات.
هذا التوسع يعكس محاولة إسرائيلية لوضع حزب الله ضمن كماشة مركّبة: ضغط ناري مستمر من الجنوب، مقابل تضييق تدريجي على خطوط الإمداد والارتباط مع العمق السوري شرقًا، بما يفتح الباب أمام استنزاف طويل الأمد.
فهرس المحتوى [إظهار]
ميدانيا: لا منطقة آمنة
تعكس الوقائع على الأرض تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الحرب. الغارات لم تعد محدودة أو انتقائية، بل باتت تشمل نطاقًا جغرافيًا واسعًا يمتد من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وأطراف العاصمة، مع اعتماد نمط ناري كثيف ومتواصل يجمع بين القصف الجوي والمدفعي وضربات الطائرات المسيّرة. هذا النمط يشير إلى إدارة حرب مفتوحة تقوم على التدمير المنهجي ورفع الكلفة إلى أقصاها، حيث يتم تعميم الضغط على البيئة المدنية إلى جانب الأهداف العسكرية.
أعداد الضحايا التي تجاوزت 1400 قتيل وآلاف الجرحى، إضافة إلى أكثر من مليون نازح، تشكّل مؤشرًا واضحًا إلى أن الهدف لم يعد عسكريًا صرفًا، بل سياسي – اجتماعي، يرمي إلى إعادة تشكيل البيئة الداخلية اللبنانية تحت وطأة الضغط الميداني.
خريطة النيران الواسعة، التي طالت عشرات البلدات في الجنوب إضافة إلى الضاحية وبيروت، تحمل رسالة سياسية صريحة: لا منطقة آمنة، ولا خط تماس ثابت، ولا قدرة فعلية للدولة اللبنانية على حماية جغرافيتها أو وظائفها الحيوية. هذا الواقع يُستخدم لإعادة تعريف لبنان كـ”ساحة مفتوحة” بالكامل، بما يعزز الضغط الداخلي ويضعف أي إمكانية لإنتاج توازن سياسي أو أمني مستقر.
معبر المصنع واستراتيجية العزل
ضمن هذا السياق، يبرز معبر المصنع كأخطر نقاط التحول في المشهد. فإدخاله ضمن بنك الأهداف لا يمكن قراءته كإجراء ميداني عابر، بل كمؤشر إلى انتقال إسرائيل نحو استراتيجية عزل جغرافي منهجي للبنان. فالمعبر، بوصفه شريانًا حيويًا يربط لبنان بسوريا، يمثل نقطة ارتكاز في حركة التجارة والإمدادات والعبور، واستهدافه أو حتى التلويح بذلك يعني عمليًا وضع لبنان أمام مسار خنق برّي تدريجي يطال الاقتصاد والغذاء والتنقل، وليس فقط المسارات العسكرية المفترضة.
الأخطر أن هذا المسار لا يبدو محصورًا بالمصنع، بل هو مرشح للتوسّع ليشمل باقي المعابر، ما يعني الانتقال من سياسة الضغط العسكري إلى سياسة الحصار الجغرافي الشامل، مع احتمالات مرافقة لمسار بحري ضاغط، يضع لبنان أمام سيناريو حصار مزدوج في لحظة انهيار داخلي غير مسبوقة.
تحرك سعودي- مصري لمنع إقفال المصنع
في موازاة ذلك، يتحول معبر المصنع إلى عقدة سياسية – أمنية – إقليمية مركبة. الجولة الميدانية للمدير العام للأمن العام شكّلت محاولة لتثبيت معادلة مزدوجة: تأكيد الإمساك الرسمي اللبناني بالمعبر ونفي الرواية الإسرائيلية حول استخدامه كقناة تهريب، مقابل رفع مستوى الإجراءات الأمنية والتنسيق مع الجيش والجمارك. إلا أن هذا التحرك لا يلغي حقيقة أن المعبر بات نقطة اختبار مباشرة لسيادة الدولة اللبنانية وحدود قدرتها على حماية مرافقها الحيوية.
دخلت عدة أطراف على خط احتواء هذا المسار. وساطة مصرية مدعومة بحضور أميركي سعت إلى تجميد التهديد الإسرائيلي، فيما تحركت دمشق سياسيًا وأمنيًا باعتبار المعبر شريانًا مشتركًا لا يمكن تعريضه للانهيار.
الاتصالات المباشرة بين القيادة السورية والحكومة اللبنانية عكست هذا الإدراك، حيث تم تثبيت قنوات تنسيق مفتوحة لمواكبة التطورات.
وفي هذا الإطار، برز قرار رئيس الحكومة نواف سلام إيفاد وفد وزاري إلى دمشق لمتابعة الملفات العالقة وإعادة تفعيل القنوات الرسمية بين البلدين، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز بعدها الإداري، وتعكس تحولًا في المقاربة اللبنانية نحو الاعتراف بأن إدارة المرحلة تتطلب تنسيقًا مباشرًا مع سوريا، خصوصًا في ظل خطر العزل الجغرافي المتدرّج.
بالتوازي، دخلت السعودية على خط إدارة التوازنات، عبر تحرك يقوده الأمير يزيد بن فرحان، الذي أجرى سلسلة اتصالات إقليمية هدفت إلى طمأنة لبنان واحتواء تداعيات التهديد الإسرائيلي لمعبر المصنع. هذا التحرك يأتي ضمن تنسيق سعودي – سوري للحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق الوضع نحو سيناريو الحصار، ويعكس إدراكًا خليجيًا بأن أي استهداف للمعابر اللبنانية سيترك تداعيات مباشرة على الإقليم ككل، وليس على لبنان فقط.
الولايات المتحدة: ضبط أمن المعابر
على المستوى الداخلي، يتقاطع التصعيد العسكري مع مسار سياسي – أمني تقوده الولايات المتحدة لإعادة ضبط أمن المعابر اللبنانية. الضغوط الأميركية دفعت باتجاه إنشاء مرجعية مركزية موحّدة لإدارة المعابر البرية والبحرية والجوية، ضمن سياق أوسع يهدف إلى إحكام السيطرة على الحدود ومنع أي تدفقات لوجستية لحزب الله. هذا التوجه تُرجم بإعداد مشروع قانون لإنشاء جهاز مركزي لأمن الحدود، يرتبط مباشرة بوزارة الداخلية، ويضم إدارة عمليات مشتركة من مختلف الأجهزة، ما يعكس انتقال ملف المعابر من كونه شأنًا إداريًا إلى جزء من معادلة الصراع الإقليمي.
التصعيد الإقليمي وآفاقه
في المقابل، يدخل التصعيد الإقليمي مرحلة إعادة تشكيل شاملة لقواعد الاشتباك، حيث تشير المعطيات إلى أن إيران لم تكتفِ بالرد على الضغوط الأميركية، بل انتقلت إلى تعميم المواجهة عبر تفعيل “وحدة الساحات” بأقصى طاقتها العملياتية، ودفع حلفائها في لبنان والعراق واليمن إلى فتح الجبهات بالتوازي، ضمن مقاربة تقوم على نقل مركز الثقل من مواجهة مباشرة مع واشنطن إلى اشتباك إقليمي متعدد المستويات.
هذا التحول يترافق مع تركيز واضح على استهداف أمن الطاقة في الخليج، بما يحوّل الدول المعنية إلى أدوات ضغط على القرار الأميركي، ويؤسس لحالة ردع غير مباشرة تحمي القدرات الإيرانية من أي ضربة مركّزة محتملة.
دوليًا، تتكثف الاتصالات في محاولة لاحتواء تداعيات التصعيد، من بينها تواصل قطري – فرنسي ركّز على أمن الطاقة العالمي وخطورة استمرار التوتر، إضافة إلى تحركات دبلوماسية متعددة الأطراف. إلا أن هذه الجهود لا تزال تدور في إطار إدارة الأزمة وليس حلّها، في ظل غياب أي أفق واضح لتسوية قريبة.
في المحصلة، يتبلور مشهد إقليمي مركّب يقوم على مسارين متوازيين ومتداخلين: إيران توسّع ساحات الاشتباك لتخفيف الضغط عنها وإرباك خصومها، وإسرائيل توسّع الجغرافيا المستهدفة داخل لبنان لعزله وضرب بنيته اللوجستية ودفعه نحو أزمة داخلية خانقة. وبين هذين المسارين، يدخل لبنان مرحلة جديدة من الضغط المركّب، حيث تتداخل الحرب العسكرية مع أدوات الحصار الاقتصادي والسياسي، ما يجعله ساحة مفتوحة لصراع إقليمي مرشّح للتصاعد، بانتظار تسوية لم تتبلور شروطها بعد.