القائمة
05:00 06 حزيران 2026

"الفاو" تدق ناقوس الخطر… ولبنان أمام تحدّي الأمن الغذائي

لبنان

في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة التوترات في المنطقة، دقّت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” ناقوس خطر من نوع مختلف، محذّرة من أزمة غذائية عالمية قد تنعكس بشكل مباشر على الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد، ومن بينها لبنان. فمع استمرار الاضطرابات التجارية وارتفاع أسعار الطاقة المرتبطة بمضيق هرمز، تبدو الأسواق العالمية أمام موجة جديدة من الضغوط التي قد تطال الغذاء قبل أي قطاع آخر.

وترى “الفاو” أن أي تعطّل أو إغلاق للملاحة في مضيق هرمز لا يقتصر على أزمة شحن مؤقتة، بل يشكّل “صدمة غذائية وزراعية ممنهجة” تهدّد الأمن الغذائي العالمي. فالمضيق يُعدّ ممراً أساسياً لتجارة النفط والغاز، كما تمرّ عبره نسبة كبيرة من تجارة الأسمدة العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه قادراً على التأثير بسلسلة الإنتاج الزراعي حول العالم.

وبحسب تقييمات المنظمة، تبدأ الأزمة من ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع كلفة الأسمدة والشحن البحري. ومع ازدياد التكاليف، يلجأ المزارعون في العديد من الدول إلى تقليص استخدام الأسمدة، الأمر الذي ينعكس انخفاضاً في الإنتاج الزراعي خلال المواسم اللاحقة، خصوصاً في المحاصيل الأساسية كالقمح والذرة والأرز. ومع تراجع الإنتاج، ترتفع أسعار الحبوب والمواد الغذائية، لينتقل التضخم في نهاية المطاف إلى المستهلك النهائي.

وتظهر المؤشرات الحالية أن الضغوط بدأت فعلياً بالعودة إلى أسواق الغذاء العالمية. فقد سجّل مؤشر أسعار الغذاء العالمي التابع لـ”الفاو” ارتفاعاً للشهر الثالث على التوالي في نيسان 2026، ليبلغ 130.7 نقطة، بزيادة 1.6% مقارنة بالشهر السابق، مدفوعاً بارتفاع أسعار الحبوب والزيوت النباتية واللحوم. وترى المنظمة أن نقص الأسمدة وارتفاع تكلفتها يشكّلان أحد أبرز أسباب هذه الموجة التصاعدية.

وبالنسبة إلى لبنان، تبدو هذه التحذيرات أكثر حساسية في ظل اعتماده الكبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته الغذائية والمواد الأولية الزراعية، إذ يستورد أكثر من 80% من هذه الاحتياجات. وبالتالي، فإن أي ارتفاع عالمي في أسعار القمح والزيوت النباتية والأسمدة سينعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق المحلية، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي لا تزال تضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.

كما تشير بيانات “الفاو” إلى أن نسبة كبيرة من تجارة اليوريا والأمونيا والفوسفات تمرّ عبر مضيق هرمز، فيما تعتمد دول كثيرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية على هذه الواردات للحفاظ على إنتاجها الزراعي. لذلك، فإن أي نقص في توافر الأسمدة أو ارتفاع أسعارها قد يؤدي إلى تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية عالمياً، ما يهدّد بموجة جديدة من ارتفاع أسعار الغذاء.

ولا يقتصر التأثير على السلع الغذائية فقط، بل يمتد أيضاً إلى القطاع الزراعي اللبناني نفسه، الذي يعتمد بشكل كبير على مستلزمات إنتاج مستوردة من أسمدة وبذور ومحروقات. ومع ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، قد يواجه المزارعون اللبنانيون ضغوطاً إضافية تهدّد كلفة الإنتاج المحلي وقدرته على الصمود.

في المحصلة، ترى “الفاو” أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان العالم سينجح في احتواء هذه الضغوط وتفادي أزمة غذائية جديدة، أو أنه سيدخل في موجة تضخمية تعيد إلى الأذهان الصدمات التي شهدتها الأسواق العالمية بعد الحرب الروسية – الأوكرانية عام 2022، مع ما تحمله من تداعيات مباشرة على الدول الهشّة اقتصادياً، وفي مقدّمها لبنان.