لم تعد الأزمة اللبنانية محصورة في المواجهة العسكرية مع إسرائيل أو في تفاصيل ترتيبات وقف إطلاق النار. ما جرى خلال الجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن كشف عن أزمة أعمق تتعلق بمستقبل القرار اللبناني نفسه. فبينما اندفعت الدولة اللبنانية، بقيادة رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، نحو محاولة انتزاع تسوية توقف الحرب وتعيد فتح باب الاستقرار، اختار «حزب الله» الذهاب في الاتجاه المعاكس عبر إعلان رفض شامل للمسار التفاوضي، ما وضع البلاد أمام مواجهة سياسية داخلية لا تقل خطورة عن المواجهة العسكرية الجارية.
فهرس المحتوى [إظهار]
الدولة تبحث عن مخرج… والحزب يرفض التسوية
بحسب المعطيات التي عرضها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، فإن المفاوضات التي جرت في واشنطن لم تكن سهلة أو شكلية، بل وصلت في مراحل متقدمة إلى حافة الانهيار نتيجة التشدد الإسرائيلي وارتفاع سقف الشروط المطروحة. إلا أن الوفد اللبناني نجح في تثبيت مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها ربط أي ترتيبات أمنية بمسار انسحاب إسرائيلي تدريجي، وإطلاق نموذج "المناطق التجريبية" التي ينتشر فيها الجيش اللبناني تمهيداً لتوسيعها لاحقاً.
ما حاولت الدولة تحقيقه لم يكن اتفاقاً سياسياً نهائياً بقدر ما كان محاولة لشراء الوقت ومنع انزلاق لبنان نحو حرب مفتوحة جديدة. لكن هذا المسار اصطدم مباشرة برفض «حزب الله»، الذي اعتبر أن الاتفاق المطروح لا يستهدف وقف الحرب فقط، بل يهدف إلى تفكيك دوره العسكري والسياسي تدريجياً تحت عنوان استعادة السيادة وتطبيق القرار 1701.
نواف سلام يقود معركة تثبيت منطق الدولة
في كلمته أمام مجلس الوزراء امس، قدّم سلام رؤية مختلفة جذرياً عن خطاب الحزب. فالرجل وضع التفاوض في إطار حماية لبنان وليس التنازل عنه، مؤكداً أن البدائل الأخرى، سواء عبر مجلس الأمن أو المحاكم الدولية أو الانتظار السلبي، لن تؤدي إلى وقف القصف أو إعادة السكان إلى قراهم.
الأهم أن سلام أعاد طرح القضية الجوهرية التي تجنبتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ عقود، وهي مسألة احتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم. فبالنسبة للحكومة، لا يتعلق الأمر بشروط أميركية أو إسرائيلية، بل بالتزام لبناني قديم نص عليه اتفاق الطائف والقرار 1701 والبيانات الوزارية المتعاقبة. ولذلك بدا خطاب سلام أقرب إلى إعلان سياسي واضح بأن مرحلة إدارة الازدواجية بين الدولة والسلاح لم تعد قابلة للاستمرار.
حزب الله يفتح مواجهة مع السلطة السياسية
في المقابل، لم يكتفِ «حزب الله» برفض التفاهمات المطروحة، بل صعّد خطابه تجاه الرئاسة والحكومة بصورة غير مسبوقة منذ سنوات. فالحزب ينظر إلى المفاوضات باعتبارها محاولة لنقل المعركة من الميدان إلى السياسة، وانتزاع ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه بالكامل بالقوة العسكرية.
وتشير طبيعة الخطاب الأخير للحزب إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتفاصيل أمنية أو حدودية، بل تتعلق بمبدأ تمثيل الدولة نفسها. فحين يصف الحزب المفاوضات بـ"المهزلة" ويرفض نتائجها بالكامل، فإنه عملياً يشكك في المسار الذي اختارته المؤسسات الدستورية اللبنانية للتعامل مع الحرب، ما يفتح الباب أمام أزمة شرعية سياسية داخلية تتجاوز ملف الجنوب وحده.
إسرائيل تستعد لمرحلة جديدة من الضغط
في موازاة الانقسام اللبناني، رفعت إسرائيل سقف رسائلها العسكرية والسياسية بشكل واضح. فتصريحات رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير حملت مضموناً واحداً: إسرائيل تعتبر أن الحرب لم تحقق أهدافها كاملة بعد، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تؤدي إلى تغيير دائم في الواقع الأمني على الحدود الشمالية.
ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن رفض الحزب للمسار التفاوضي يمنح تل أبيب ذريعة إضافية لمواصلة العمليات العسكرية وتوسيعها عند الحاجة، تحت عنوان إزالة التهديدات ومنع إعادة بناء البنية العسكرية للحزب جنوب الليطاني. لذلك تنظر دوائر ديبلوماسية إلى أن لبنان يقف أمام نافذة زمنية ضيقة جداً قبل أن تنتقل إسرائيل إلى مرحلة أكثر قسوة من الضغط العسكري والميداني.
الجنوب يتحول إلى مختبر لسيادة الدولة.. وايران تريد لبنان ورقة
ليست فكرة "المناطق التجريبية" مجرد تفصيل تقني كما تبدو ظاهرياً. فهذه المناطق تمثل عملياً الاختبار الأول لقدرة الدولة اللبنانية على فرض حضورها الأمني والعسكري المباشر في الجنوب.
فإذا نجح الجيش اللبناني في تثبيت انتشاره وإدارة هذه المناطق ومنع عودة المظاهر المسلحة إليها، ستتحول التجربة إلى نموذج قابل للتوسع. أما إذا فشلت، فإن إسرائيل ستستخدم ذلك لتأكيد روايتها بأن الدولة اللبنانية غير قادرة على تنفيذ التزاماتها أو السيطرة على أراضيها، ما يفتح الباب أمام استمرار الاحتلال الجزئي أو توسيع العمليات العسكرية مستقبلاً.
يزداد المشهد تعقيداً مع استمرار إيران في رفض فصل الساحة اللبنانية عن الصراع الإقليمي الأوسع. فطهران لا تنظر إلى لبنان باعتباره ملفاً مستقلاً، بل جزءاً من منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال العقود الماضية.
وهنا تكمن إحدى أبرز المعضلات أمام الدولة اللبنانية. فبينما تحاول الحكومة التعامل مع الملف باعتباره قضية سيادية داخلية تتعلق بمستقبل الدولة ومؤسساتها، لا يزال الحزب يتعامل معه ضمن إطار إقليمي أوسع مرتبط بحسابات طهران وموازين القوى في المنطقة. وهذا التناقض يجعل الوصول إلى تسوية داخلية أكثر صعوبة وتعقيداً.
ساعة الحقيقة تقترب
ما بعد مفاوضات واشنطن ليس كما قبلها. فالنقاش لم يعد يدور حول وقف إطلاق نار مؤقت أو انسحاب إسرائيلي محدود أو ترتيبات ميدانية جنوب الليطاني. المسألة باتت تتعلق بالسؤال الذي تجنبت الطبقة السياسية اللبنانية الإجابة عنه منذ أكثر من عقدين: من يملك القرار الأمني والعسكري النهائي في لبنان؟
اليوم تبدو حكومة نواف سلام ورئاسة الجمهورية أمام محاولة لإعادة تثبيت منطق الدولة والمؤسسات، فيما يتمسك «حزب الله» بمعادلة السلاح باعتبارها الضمانة الوحيدة في مواجهة إسرائيل. وبين هذين الخيارين يقف لبنان عند مفترق تاريخي قد يرسم شكل النظام السياسي والأمني للبلاد لسنوات طويلة مقبلة.
فإما أن ينجح المسار السياسي في تعزيز دور الدولة تدريجياً وإبعاد شبح الحرب، وإما أن يتحول الانقسام الداخلي إلى فرصة جديدة لإسرائيل لمواصلة ضغوطها العسكرية، وليدخل لبنان مرحلة أكثر خطورة من عدم الاستقرار، يكون فيها الجميع خاسرين، وفي مقدمتهم اللبنانيون الذين دفعوا خلال السنوات الماضية أثماناً باهظة لحروب وصراعات لم يعد البلد قادراً على تحملها.