القائمة
08:16 04 حزيران 2026

قاآني يصدر الأوامر والحزب ينفِّذ: رفض اتفاقية وقف اطلاق النار

لبنان

لم يتردد “حزب الله” منذ اللحظة الأولى في فتح جبهة إسناد لإيران و”الثأر” للمرشد الإيراني علي خامنئي، واضعاً لبنان في قلب مواجهة إقليمية مرتبطة بحسابات طهران وصراعها مع إسرائيل والولايات المتحدة. وجاء تصريح قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني إسماعيل قاآني أولاً ليحدد سقف الموقف السياسي المطلوب في لبنان، قبل أن يتبعه مباشرة تصريح لقيادي “حزب الله” نواف الموسوي، ثم خطاب الأمين العام للحزب نعيم قاسم بالاتجاه نفسه. والتطابق بين المواقف لا يطرح فقط تساؤلات حول من يحدد القرار السياسي لـ”حزب الله”، بل يشكّل مؤشراً واضحاً إلى أن طهران، عبر “الحرس الثوري”، لا تزال تمسك بسقف مواقف الحزب وخياراته السياسية والعسكرية.

لم يأتِ موقف قاآني عابراً أو منفصلاً عن المشهد اللبناني، بل بدا وكأنه رسم بشكل مباشر سقف الخطاب السياسي الذي سيتبعه “حزب الله” لاحقاً. فحين أعلن أن “المطلب الأساسي في لبنان هو انسحاب إسرائيل إلى المواقع التي كانت تسيطر عليها قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران”، لم يكن يتحدث بصفته مراقباً للأوضاع اللبنانية، بل كمرجعية سياسية وعسكرية تحدد أولويات المواجهة وخطابها.

وفي السياق نفسه، صرّح القيادي في “حزب الله” نواف الموسوي بأن “نتائج المفاوضات بتنكب بالزبالة متل ما انكب 17 أيار قبلها”، معتبراً أن الحزب “أسقط الخيانة والاستسلام وليس الدولة”، مضيفاً: “ونحن أيضاً سنسقط هذه العملية الاستسلامية”، في موقف تصعيدي عكس رفض الحزب الكامل لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل.

ولم تمضِ ساعات حتى جاء خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم متماهياً بالكامل مع هذا الاتجاه، سواء في اللغة التصعيدية أو في مضمون الرسائل السياسية. إذ هاجم نتائج المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، واعتبرها “مرفوضة جملة وتفصيلاً”، محذراً من أن جعل نزع سلاح “المقاومة” أساساً لأي اتفاق يعني “إعدام قوة لبنان” و”تهديداً وجودياً لشعبه المقاوم”.

هذا التزامن بين المواقف لا يبدو تفصيلاً عابراً، بل يعكس طبيعة العلاقة السياسية والتنظيمية التي تربط الحزب بطهران، حيث يظهر أن الخطاب السياسي لم يعد يُصاغ انطلاقاً من أولويات الداخل اللبناني، بل وفق الإيقاع الذي يحدده “الحرس الثوري” الإيراني. فالمواقف الأساسية، وخصوصاً في الملفات السيادية والحساسة، تبدو وكأنها تُعلن أولاً من طهران قبل أن تتكرر بصياغات مشابهة على لسان قيادة الحزب في لبنان.

واللافت أن بيان نعيم قاسم جاء في مناسبة مرتبطة بإيران، أي ذكرى رحيل مؤسس الجمهورية الإسلامية الخميني، لا في إطار حدث لبناني داخلي، ما يعزز الانطباع بأن الحزب يتعامل مع التطورات اللبنانية بوصفها جزءاً من سياق إقليمي أوسع تقوده طهران. وهنا تبرز إشكالية أساسية تتعلق بمن يحدد فعلياً الموقف السياسي لـ”حزب الله”: هل هو قرار لبناني نابع من حسابات الداخل، أم امتداد مباشر لاستراتيجية “الحرس الثوري” في المنطقة؟

في المقابل، يأتي هذا الخطاب في وقت يحاول فيه لبنان الرسمي البحث عن مخارج سياسية وأمنية تجنب البلاد مزيداً من الانهيار والتصعيد، بينما يصر “حزب الله” على ربط أي نقاش داخلي بمفهوم “المقاومة” وسلاحها، رافضاً أي مسار تفاوضي يمكن أن يؤدي إلى إعادة طرح هذا الملف. ومن هنا، تبدو مواقف قاآني ثم نعيم قاسم بمثابة رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل اللبناني بأن قرار المواجهة لا يزال قائماً، والثانية إلى الخارج بأن سقف التفاوض لا يزال يُرسم ضمن الحسابات الإيرانية الإقليمية، لا وفق أولويات الدولة اللبنانية ومؤسساتها.