القائمة
07:02 02 حزيران 2026
خاص "كواليس"

غارة إسرائيلية أنهت حكاية متطوعة الصليب الاحمر التي انهكت الحرب رسوماتها.. ساعات ثيودوسيا الاخيرة يرويها أصدقاؤها: لم نودعها

وراء الكواليس

في لبنان، قد يخرج الطالب لإجراء امتحانه… ولا يعود. مشهد بات يتكرر في بلد يعيش شبابه بين الخوف والإصرار، بين الحرب ومحاولة التمسك بالحياة والدراسة في آن واحد. وهذا تماماً ما حصل مع الطالبة ثيودوسيا جايمس كرم، وشقيقها طوني، اللذين قضيا إلى جانب والدهما الطبيب جايمس كرم، جراء غارة إسرائيلية استهدفتهم على طريق الخردلي أثناء عودتهم إلى بلدتهم القليعة، بعد يوم جامعي كان يفترض أن يكون عادياً.

ثيودوسيا أتت من منطقة القليعة الحدودية إلى الفرع الأول في كلية العلوم، حيث تدرس اختصاص بيولوجيا في السنة الثالثة، لإجراء الامتحانات التي انطلقت يوم الإثنين. أما شقيقها طوني، فحضر لإجراء امتحانات السعي في هندسة الميكانيك في كلية الهندسة – الفرع الثاني في رومية. وبين طريق الذهاب والعودة، انتهت حياة عائلة كاملة تقريباً، في مأساة هزّت اللبنانيين، خصوصاً أن العائلة لم تكن هدفاً عسكرياً بأي شكل من الأشكال خصوصا وان الاسرائيلي يدعي بأنه يقصف فقط الاهداف العسكرية. في هذا السياق، تحدثت “كواليس” مع أصدقاء ثيودوسيا الذين استعادوا تفاصيل شخصيتها، وشغفها، وخوفهم الدائم عليها خلال الحرب.

علي شكرون: “لم نشعر أننا ودّعناها الوداع الأخير”

يقول الشاب علي شكرون زميلها في الجامعة لـ”كواليس” إن ثيودوسيا هي إنسانة تحب الناس جميعاً وطيبة القلب إلى أبعد الحدود. كانت تحمل في قلبها حبّاً كبيراً للحيوانات؛ ففي الجامعة، كلما لمحت قطة، سارعت لجلب الطعام لها وإطعامها والمسح عليها”.

ويضيف: “كانت تعشق الرسم كثيراً، وكانت رسوماتها غاية في الجمال. أذكر أنها رسمت لي ذات مرة لوحة للسيدة فيروز، لعلمها بأنني أحبها، وأهدتني إياها. لكن تلك اللوحة كانت في منزلنا في الجنوب، وللأسف قُصف المنزل ولم يعد بيدي شيء منها الآن. لقد كانت تحب الرسم كثيراً، وتلجأ إليه للتعبير عن نفسها، لكنها في فترة الحرب، وحين كانت تشعر بالضيق والخوف في ضيعتها، توقفت عن الرسم تماماً ولم تعد ترسل لي أيّاً من خطوطها أو رسوماتها”.

ومع اندلاع الحرب، لم يعد بإمكان ثيودوسيا البقاء في السكن الجامعي، بعدما باتت منطقة الحدث غير آمنة، فعادت الى عائلتها للاستقرار في القليعة. ويقول علي إنهم كانوا على تواصل دائم معها طوال تلك الفترة، مضيفاً: “في شهر أيار، ومع القرار بالعودة لمتابعة العام الدراسي، اضطرت هي ووالدها إلى الاعتماد على التنقل اليومي؛ فكانا ينزلان إلى بيروت ويعودان إلى البلدة في اليوم نفسه، رغماً عن التهديدات الإسرائيلية المستمرة وخطورة الطريق التي يسلكانها يومياً”.

ويتابع: “إن كل هذا التطور التكنولوجي والمسيرات والرادارات التي يملكونها تجعلني موقناً بأن هذا الاعتداء كان مقصوداً لاغتيالهم، فما حدث لا يمكن تصديقه، وهم لم يكونوا هدفاً عسكرياً على الإطلاق”.

ثيودوسيا لم تكن فقط طالبة جامعية، بل كانت أيضاً متطوعة في الصليب الأحمر اللبناني – فرع مرجعيون، حيث واصلت أداء واجبها الإنساني رغم الخطر المتصاعد. ويستعيد علي آخر أيامها قائلاً: “مع اقتراب موعد الامتحانات، وتحديداً يوم الجمعة الماضي، توغلت القوات الإسرائيلية في منطقة دبّين الملاصقة تماماً لبلدة القليعة. كنت شديد القلق عليها، وألححت عليها قائلاً: حاولي الحصول على إذن للمغادرة، والذهاب مع عائلتك إلى جونيه أو أي منطقة أخرى، لكنها رفضت قائلة بأسى: حرام، لم يعد هناك عدد كافٍ من عناصر الصليب الأحمر، لا يمكنني تركهم، سأبقى هنا”.

ويضيف: “كانت تصر دائماً على البقاء وأداء واجبها، وفي الوقت نفسه كانت تنزل إلى الجامعة لتقديم امتحاناتها. حتى يوم الأحد، وبعد صدور التهديدات الإسرائيلية بإنذار الضاحية وقصفها يوم الاثنين، كانت في حيرة من أمرها. وحين سألتها إن كانوا سيأتون غداً أم لا، أجابت بأنها لا تعلم بعد، لكنها قالت: إذا كان الوضع هادئاً سننزل”.

وبالفعل، نزلت ثيودوسيا مع عائلتها إلى بيروت، وهناك التقى بها أصدقاؤها في الجامعة قبل أن تتدهور الأوضاع سريعاً وتطلب إدارة الكلية من الطلاب المغادرة. ويقول علي بأسى: “ما يؤلمني ويقهرني حقاً، هو أننا بسبب العجلة والارتباك والخوف المحيط بنا، لم نتمكن من وداعها كما يجب. لمحتها بالصدفة وأنا أغادر، وكانت قد صعدت إلى سيارتها، فسلمت عليها سريعاً من شباك السيارة. لم تكن هذه عادتنا أبداً… يؤلمني كثيراً أنني لم أشعر بأنني ودعتها وداعاً يليق بها”.

زينب ابراهيم: "كانت تخدم الناس بصمت وتخفي تطوعها"

بدورها، تحدثت زينب إبراهيم، زميلة ثيودوسيا في السكن الجامعي، لـ”كواليس”، ووصفتها بأنها “من أكثر الأشخاص نقاءً في القلب؛ إنسانة معطاءة وخدومة إلى أبعد الحدود، وتقدم كل ما لديها من أعماق قلبها”.

وأضافت: “عشنا معاً تحت سقف واحد في السكن الجامعي، وكان كل همّها دائماً أن تكون صديقتها مرتاحة، فكانت تحاول جاهدة ألا تُثقِل عليّ، وتقوم بالعديد من المهام والواجبات بنفسها لتريحني”. وتابعت: وكانت ثيودوسيا ترفض الحديث او التباهي بأنها متطوعة في الصليب الأحمر،وتقول لي "هذا أمر أحب أن يبقى سراً بيني وبين الله”

أما خلال الحرب، فتقول زينب إنها كانت تخشى عليها باستمرار: “كنت ألحّ عليها قائلة: ثيودوسيا، أرجوكِ، اتركي العمل في الصليب الأحمر الآن واذهبي للبقاء مع عائلتكِ، فقد كان الجميع خائفين عليها بشدة، لكنها كانت تجيبني بثبات: لا بأس، المهم أن يكون الناس بخير، وأن أتمكن من مساعدتهم قدر استطاعتي”.

وتضيف: “حين كنت أرجوها ألا تصعد إلى القرية مجدداً نظراً لخطورة الأوضاع، كانت تصر قائلة: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ولا يمكنني المغادرة وترك الناس دون خدمة”. وتختم زينب حديثها بالقول إن ثيودوسيا “كانت تعيش في تعب مستمر وضغط كبير، إذ كانت توفق بين أداء واجبها الإنساني في الخدمة مع الصليب الأحمر، وبين الدوام ومتابعة دراستها الجامعية في آن واحد”.

غضب واسع وانتقادات بعد الحادثة

وأثارت هذه الحادثة جدلاً واسعاً وحالة غضب كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وجّه كثيرون انتقادات لإسرائيل بسبب استهداف مدنيين وطالبين جامعيين وعائلة كاملة خلال عودتهم من الامتحانات.

كما تصاعدت الانتقادات ضد رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران الذي نعى الطالبين، على خلفية إصراره على إجراء الامتحانات رغم الظروف الأمنية الاستثنائية والتصعيد العسكري المستمر. ويُذكر أن بدران يخوض حالياً معركة سياسية يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري بهدف التمديد له خمس سنوات إضافية في رئاسة الجامعة اللبنانية.  وتداول ناشطون مطالبات بضرورة مراعاة سلامة الطلاب والأساتذة، خصوصاً مع اضطرار العديد منهم إلى التنقل يومياً من المناطق الحدودية نحو بيروت. كما شبّه كثيرون حال طلاب الجامعة بطلاب الشهادة الثانوية الرسمية، في ظل إصرار وزيرة التربية ريما كرامي على إجراء الامتحانات الرسمية رغم الظروف الأمنية والتوترات المستمرة في عدد من المناطق اللبنانية.

في لبنان، لم تعد الحرب تسرق البيوت فقط، بل الأحلام أيضاً. ثيودوسيا لم تكن سوى طالبة جامعية أرادت أن تكمل امتحاناتها، ومتطوعة اختارت خدمة الناس رغم الخوف والخطر، لكنها تحولت مع عائلتها إلى رقم جديد في سجل الضحايا. وبين طريق الجامعة وطريق العودة إلى الجنوب، سقطت قصة شابة كانت تحاول أن تتمسك بالحياة والعلم والإنسانية في بلد يزداد فيه الموت اتساعاً. وما جرى لا يختصر مأساة عائلة واحدة فحسب، بل يلخص واقع آلاف الطلاب اللبنانيين الذين باتوا يدرسون تحت التهديد، ويذهبون إلى امتحاناتهم وهم لا يعرفون إن كانوا سيعودون إلى منازلهم أم لا.